شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

رسول حمزاتوف.. شاعر (داغستان) الكبير ـ عبد المجيد قاسم

0 264

 

 

 

 

 

 

 

رسول حمزاتوف.. شاعر داغستان الكبير، وسفير كلمتها إلى العالم، عاشق الحرية، وداعية التسامح والمحبَّة، الشاعر الذي تخطَّت شهرته شهرة بلاده، وبفضله تعرَّف العالم عليها، حتى باتت تُعرف من خلاله، فقيل: داغستان حمزاتوف، وأيضاً: (إذا أردت أن تعرف داغستان، اقرأ رسول حمزاتوف، وإذا أردت أن تعرف رسول حمزاتوف زر داغستان).

أبصر (رسول حمزاتوف) النور في الثامن من سبتمبر/ أيلول عام 1923م، في قرية “تسادا” القابعة بين أحضان الجبال من ناحية “خونزاخ” في جمهورية داغستان ذات الحكم الذاتي إبان الاتحاد السوفيتي، وإحدى جمهوريات الاتحاد الروسي حاليّاً. والده شاعر داغستان الوطني حمزة تساداسا، كان ينظم الشعر باللغة العربية إلى جانب (الآفارية) اللغة القومية لشعب بلاده. توفي في عام 1951م. وأمه تدعى فاطمة، السيدة الرقيقة التي كانت تغني له في طفولته، توفيت عام 1965م. يقول حمزاتوف في إحدى قصائده:

ليس هناك يوم واحد يمرّ

أو دقيقة واحدة دون أن تحيا في نفسي تلك الأغنية

التي غنَّتها لي أمي فوق مهدي..

هذه الأغنية هي مهد كلّ أغانيّ

إنها المخدة التي أسند إليها رأسي المتعب

إنها النبع الذي أنهل منه في عطشي

وذلك الموقد الذي يدفئني، والذي أحمل دفئه في حياتي.

تلقي تعليمه الابتدائي في مدرسة آرانيا، وتخرَّج من معهد التربية الآفاري. عمل مدرساً، ومساعد مخرج في المسرح الآفاري الحكومي، ومحرِّراً لبرامج راديو داغستان باللغة الآفارية. بدأ بنشر أولى قصائده وهو في سنٍّ صغيرة، وأصدر مجموعته الشعرية الأولى: حب لاهب، وحقد متأجج، عام 1943م، باللغة الآفارية وهو في العشرين من العمر، حيث لمع اسمه بعدها كشاعرٍ مبدع. في السنة نفسها انتُخب عضواً في اتحاد الكتّاب لعموم الاتحاد السوفييتي. تابع تعليمه في معهد غـوركي للآداب في موسكو بين عامي 1945/ 1950م وتعيَّن إثر تخرجه رئيساً لاتحاد كتّاب داغستان.

أصدر في حياته عشرات الكتب في الشعر والنثر والأدب الاجتماعي، في داغستان وجمهوريات القفقاس وفي مختلف بلدان العالم، كتب معظمها بلغته الأم. فصدر له شعراً ملحمتا: حوار مع أبي، عام 1953م والبنت الجبلية 1958م، ثم عام ولادتي في 1950م، والنجوم العالية 1962م وكتابات 1963م ونجم يهمس لنجم 1964م والسمراء 1966م، وقلادة السنين 1973م، ونشر أيضاً: قلبي في الجبال، وأنا والجبال، وغيرها من الإصدارات التي حظيت بشعبية واسعة في كلِّ بقاع العالم.

لكن “داغستان بلدي” التي عدَّت رائعته الشعرية؛ نالت شهرة أوسع من كلّ كتاباته، إذ قدَّم حمزاتوف فيها تجربته في حبِّ بلاده الملأى بالمعارك والأغنيات، وهام عشقاً بداغستان، تلك التي حملها أغنية في قلبه، وصاغ لأجلها – في داغستان بلدي – أعذب الإشعار، فتغزَّل بطبيعتها الساحرة، وبجبالها وديانها وأنهارها، ونسائها الجبليات. وروى الحكايات عن بطولات أهلها وعشقهم للأرض والحياة، فكانت داغستان “أبوه، وأمه، ومهده” حيث ولد وترعرع وأحبّ. يقول حمزاتوف:

داغستان يا ملحمتي، كيف لي

ألا أصلّي من أجلك

ألا أحبك

وهل يمكنني أن أطير بعيداً

عن سرب الغرانيق في سمائك؟

داغستان: كلَّ ما أعطاه الناس لي

أتقاسمه بالعدل معك

أوسمتي و جوائزي

سأعلِّقها على قِممك.

الشعراء – كما يقول حمزاتوف – ليسوا طيوراً مهاجرة، والشّعر بدون التربة الأم شجرة بلا جذور وطائر دون عش.. لذا فقد أراد أن يضيف ولو سطراً واحداً إلى كنز الشعر في بلاده، أن يهب الجميع أناشيد أمه عن بيته الصخري، وعن قريته تسادا حيث ولد، عن الجبال والشطآن. صدرت مؤلفاته كاملة في ثماني عشرة مجلداً، ضمَّت أربعين مؤلفاً باللغة الآفارية الأم، وثمانية مجلدات باللغة الروسية. وترجمت أعماله إلى أكثر لغات العالم. ومن أهم الترجمات إلى العربية: “داغستان بلدي” لـ عبد المعين الملوحي، ويوسف الحلاق، عام 1982م. ورسول حمزاتوف.. آراء وقصائد، لـ ميخائيل عيد 1982م. وأوجاع رسول حمزاتوف، ترجمة: د. إبراهيم الجرادي 1988م. ونجمة داغستان لـ أحمد ناصر 2001م ومن أغاني الجبال، للمترجم نفسه عام 2004م. ورسول حمزاتوف.. مختارات شعرية، إعداد وترجمة د.إبراهيم استنبولي 2010م.

حاز حمزاتوف على جوائز سوفيتية ودولية كثيرة؛ لقاء إنجازاته العظيمة في الأدب. ومُنح الأوسمة وشهادات التكريم على مستوى جمهورية داغستان وروسيا والاتحاد السوفييتي والعالم بأسره. ومنها: لقب شاعر الشعب في داغستان، بطل العمل الاشتراكي، جائزة روسيا والاتحاد السوفييتي، الجائزة الدولية “شاعر القرن العشرين”، جائزة اتحاد كتّاب آسيا وأفريقيا “اللوتس”، جائزة جواهر لال نهرو، جائزة الفردوسي، وغيرها. يقول شاعرنا الكبير في إحدى قصائده:

أمس كنت أتسلل إلى أعشاش الطيور

أُغري أصدقائي الأطفال بصعود الجبال

وأتى الحب عنيفاً.. أزرق العينين

فجعلني دفعة واحدة كبيراً

أمس كنت أحسبني راشداً، أشيب

وحكيماً حتى آخر أيامي

وأتى الحب وابتسم في بساطة

فإذا أنا ولد صغير.

كان حمزاتوف عاشقاً للحياة، مؤمناً بأن كلَّ لحظة من لحظاتها جديرة بأن تُعاش. وكان يحاول حثيثاً أن يصنع من الشعر جسراً يصل بين قلبه وبين الناس. كان قريباً منهم دائماً، وذو صدقية تؤهله التعبير عنهم والإنشاد لهم. يقول: إن أبعد مسافة تلك التي تباعدُ بين الناس.. وأعظمُ الشعر ذاك الذي يشقُّ الممراتِ بين قلبٍ وآلاف القلوب. لقد كان صاحب نزعة إنسانية، وممن آمنوا بالاشتراكية بصدق، وعارضوا المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، كان صديقاً لكل قوى الخير والعدالة في العالم. لذا فقد حظي بجماهيرية واسعة وكبيرة.

يقول د. إبراهيم اسطنبولي: (حين كان العالم يتعطَّش للكلمة الشعرية في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، كان الناس يأتون إلى أمسياته الشعرية؛ كما يذهبون اليوم لحضور مباراة بكرة القدم. كانت الصالات الكبيرة والضخمة تكتظُّ بالناس عندما كان رسول يقرأ أشعاره. وهذا بالطبع كان يعود للشعبية غير العادية للكلمة الشعرية عند رسول، تلك الكلمة التي كانت البلاد بحاجة إليها وكانت تنتظرها.)(1)

خلق حمزاتوف ضمن لغته؛ لغة جديدة، اتسمت بطابع مميَّز في فضاء الإبداع، لغةً بسيطة سلسة، متدفِّقة بالصور والمشاهد. إذ الكلمات فيها شفافة رقيقة والعبارات عذبة مرهفة، ترمز إلى حكايات الأجداد وأساطيرهم، وإلى أغنيات الطفولة وبراءتها. إضافة إلى أنه كان خطيباً بارعاً وذكياً، وكانت إيماءات يديه أعمق تعبيراً من خطابات غيره. تناول في نتاجه الإبداعي – الذي تشابكت فيه التقاليد الأدبية الشرقية العريقة مع روح المعاصرة – الكثير من الموضوعات، وكتب في قيمٍ عدَّة تستحق الانحناء. إلا أنه الحب كأهم القيم الإنسانية، جمع بين معظم نتاجه، رسم له مساراً واضح المعالم.

إذ قدَّم فيه حمزاتوف خلاصة تجربته في الحب. فمن حبِّ بلاده لحبِّ المرأة وحبِّ الإنسان أينما كان. والحب عنده ليس مقتصراً على معنى دون غيره، إنه يطال الجميع مهما امتدَّت المسافات وتعدَّدت الجهات، فلا الأوطان وحدها تستحق الحب، ولا المرأةُ هي الكائن الأثير التي نكتب من أجله الأشعار. ولا فرق – بالنسبة له – بين أن تحب وطناً؛ أنت مفردة من مفرداته، أو أن تحبَّ امرأة تسكن داخلك، أو أن تحبَّ مسافراً قد يمرُّ على بيتك وأنت لا تعرفه. يقول شاعرنا في حبِّ المرأة، الحب تلك اللحظة التي تشرق داخلنا فننسى كلَّ ما قبلها. والمرأة ذاك الكائن الذي لم يغب عن هذا الحب، ولم يغب الحب عنه:

ثلاث نساء ودعتني عند سفري

قالت الأولى وهي مستندة على شجرة

دون أن تحني رأسها:

إذا نسيتني فلن أبكي

ووقفت الثانية عند بابها؛ ممسكة بجرة ممتلئة

سمعتها تقول: عد سريعاً

أما الثالثة فكانت تتنهد دون أن تنطق بحرف واحد

ووراء الجبل الأول نسيت المرأة الأولى

ونسيت الثانية بنفس هادئة بعد الممرِّ الجبلي الثاني

لكنني لم أستطع عبر الجبال كلها؛ أن أنسى المرأة الثالثة

وهي وحدها التي أحلم بها من بينهنَّ جميعاً.

رغم أنه كتب في حبِّ المرأة، وتغزَّل بها في كثيرٍ من قصائده، إلا أن ما كتبه حمزاتوف في حبَّ فاطمات كان مختلفاً وذو نكهة خاصة، فهي حبيبته وزوجته ورفيقة دربه الطويل، وملهمته وساحرته الجميلة. يقول في إحدى قصائده عنها، وهي التي سبقته إلى الموت بسنواتٍ ثلاث، تاركة من ذكراها ثلاث بنات وأربع حفيدات، والقصيدة بعنوان: فاطمات(2):

إذا ما شاءَ القدرُ وقذف بي/ إلى الغابات

وكان مسموحاً لي/ أنْ آخذَ معي

كلَّ ما أنا بحاجة إليه

كل ما أريد/ فإني سآخذُ صورتَكِ

سوف أحفظها

كما التعويذة/ في المطر وفي الضباب..

أنا لا أعرف/ ماذا يرسل لسيدته

السيد أو النبيل الإنكليزي/ من الغابات

أما أنا فسأكتب/ على ورقة نخيل

على وقْعِ الصفير الساحر/ لسوناتا بتراركي

وسأضيف إليها أشعاري

مع ابتهال خاشع/ لا تنسني!

وسأرسلها إليكِ.

رحل حمزاتوف عن عالمنا في الثالث من تشرين الثاني/ أكتوبر عام 2003، ودفن بجوار قبر زوجته عند سفح جبل “تاركي تاو” في قلب عاصمة داغستان “ماخاتشكالا” بعد أن خلَّف إرثاً فكرياً وروحياً كبيراً؛ غاية في السمو والرفعة، وبعد أن ترك خزائن عظيمة من الحب.

يقول: (أخيراً، وبعد ثمانين عاماً من الحب تعلمت الصمت.. فلتسترح قليلاً؛ فثمانون عاماً من الحب تكفي لكي تستريح.) والآن يرقد رسول حمزاتوف هناك حيث كان يتمنى، وهو يرى المدينة بأكملها، المدينة التي أحبَّ وأحبته.

 

 

 

 

  

 

الهوامش والمراجع:  

  • رسول حمزاتوف، مختارات شعرية، الهيئة العامة السورية للكتاب، الكتاب الشهري الثاني والثلاثون، دمشق، 2010، إعداد وترجمة: د. إبراهيم اسطنبولي، ص (9)
  • المصدر نفسه، ص (123-124)
  • الموقف الأدبي، مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق، العدد 118/ شباط 1981 (يوماً طيّباً أيتها الحكمة الجبليّة البليغة) قصائد من رسول حمزاتوف، ترجمة وتقديم: إبراهيم الجرادي.
  • رسول حمزاتوف.. من القصائد الأخيرة، دار السوسن، دمشق، ترجمة: شاهر أحمد نصر، المقدمة بقلم: عبد المعين الملوحي

 

 

سبوت:

 

قدَّم حمزاتوف في “داغستان بلدي” التي عدَّت رائعته الشعرية؛ ونالت شهرة أوسع من كلّ كتاباته، تجربته في حبِّ بلاده الملأى بالمعارك والأغنيات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.