شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

في ضرورة تمتين الوحدة الثقافية بين الشعبين المصري والكردي ـ السيد عبد الفتاح

0 251

 

 

 

 

 

السيد عبد الفتاح

 

ليس هناك من شك في أن العلاقات بين الشعبين المصري والكردي عريقة وتعود إلى آلاف السنين، ولعل هذا ما يجعل منها أساساً قوياً وراسخاً يقوم عليه حاضر ومستقبل هذه العلاقة التاريخية التي لا يغفلها منصف.

ولعل ذلك التشابه الذي قد يصل إلى حد التطابق بين تاريخ وحضارة الشعبين، والسمات العامة المشتركة والكثيرة بين الإنسان المصري والكردي، هو الذي يؤكد أن كلا الشعبين والحضارتين خرجا من مهد ورحم واحد، وهذا بالضبط هو ما يستوجب منا نحن الأحفاد أن نحذو حذو الأسلاف العظام الذين نهلوا من نفس النبع وحرصوا على توثيق العلاقات مع بعضهم البعض، لنواصل السير على طريقهم الذي أنتج حضارة أضاءت البشرية وأفادتها.

وليس هناك من شكّ في أننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى تمتين تلك العلاقات، والتي أرى أنها ضرورية بين الشعبين، وعلى الجميع دعم كل الجهود التي تصب في هذا الاتجاه بكل ما أوتي من قوة، لما فيه مصلحة الشعبين، بل وشعوب المنطقة كلها.

وفي الحديث عن ضرورة تمتين تلك العلاقات لابد في البداية من أن نشير إلى عراقتها، فما لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له، ومن باب أن ولادة المجتمعات لم تكن منفصلة عن بعضها البعض، وإنما جاءت كحلقات في سلسلة موغلة في الزمن.

وكما أوضح المفكر الكردي الكبير عبد الله أوجلان في مجلده الخامس “القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية” بقوله :”لَم يُولد المجتمع المديني في مصر وسومر من تلقاء ذاته، بل إنه ينتهل بالتأكيد مشاربه من ثقافة ميزوبوتاميا العليا… البرهان الآخر البالغ الأهمية حول مدى رقيِّ الدياليكتيك التاريخي في الهلال الخصيب، هو سفر النبي إبراهيم إلى مصر قبل ما يُخمَّن بحوالي ثلاثة آلاف وسبعمائة عام. والثقافة المُولِّدة للمدنيتين المصرية والسومرية، هي تلك الثقافة اليانعة في قوس سلسلة جبال طوروس–زاغروس. المهم هنا هو وجود مستوى ثقافي باهر بعظمته، ولا يزال تاركاً آثاره على التاريخ الاجتماعي”.

وقوله كذلك: “لهذه الأراضي دورها المُحَدِّدُ والمصيري في الانتقال إلى مرحلة الحضارة، ليس على صعيد رصف الأرضية الثقافية فحسب، بل ومن حيث رسمها ملامح الحضارة وتكوينها لمضمونها أيضاً. فالأراضي التي ازدهرت عليها المدنيتان التاريخيتان الأَوَّليّتان السومرية والمصرية، أي ميزوبوتاميا السفلى ووادي النيل، تفتقر إلى خلفيةٍ ثقافيةٍ عريقة. فمناخها لا يصلح حتى لحياة مجتمع الكلان. من هنا، فهاتان المدنيتان المتصاعدتان قبل خمسة آلاف سنة، إنما هما مدينتان بالفضل في أرضيتهما الذهنية والمؤسساتية جمعاء إلى تلك الثقافة ذات المسار البهي المُعمِّر آلافاً من السنين؛ تماماً مثلما هي عليه المدنية الأوروبية في استنادها إلى الحضارتين الإسلامية والصينية، ومثلما هي عليه المدنية الأمريكية في ارتكازِها إلى المدنية الأوروبية. لذا، فأوهن نقاط علم التاريخ والسوسيولوجيا التي لا تزال قائمة، تتجسد في عجزه عن التحليل الكافي للجوانب النظرية والعملية للعلاقة بين الثقافة والمدنية. ولعدم تحليل الانتقالات الثقافية والحضارية بين ميزوبوتاميا العُليا وميزوبوتاميا السفلى ووادي النيلِ دورٌ مهم في ذلك. حيث محالٌ عَلمَنةُ التاريخِ والسوسيولوجيا بالأساليبِ التحليليةِ وحسب. بمعنى آخر، محالٌ عَلمَنةُ السوسيولوجيا، ما لَم يُفهَم التاريخُ مثلما حدث، وما لَم يُستَوعب المجتمعُ مثلما هو عليه”.

وكما يذهب الباحث الكردي محمد أرسلان علي، في كتابه الذي صدر مؤخراً عن مركز القاهرة للدراسات الكردية، فإن “جغرافية بلاد الشام والفراعنة كانت جغرافيا واحدة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض. وكان التأثر والتأثير الثقافي بين هاتين الجغرافيتين كبيراً لحدٍّ يعجز كل من يريد إدراك التاريخ على حقيقته. والنظر إلى هذه الجغرافيا على أنها مجموعة من الدول المنفصلة وذات السيادة كما المصطلحات المستخدمة في وقتنا الحالي يُعتبر أكبر ذنب نقترفه بحق التاريخ وثقافتنا التاريخية. لا يمكن التفكير مطلقاً بالمدنية الفرعونية العظيمة من دون حضارة ميزوبوتاميا، ولا بالمدنية اليونانية والرومانية ومن بعدها الإسلامية من دون المدنية المصرية القديمة وثقافة الهلال الخصيب. كل هذه الثقافات مرتبطة مع بعضها بعضاً، وغذّت بعضها البعض، حتى تشكلت من تزاوجهما مدنية أخرى، والعكس صحيح أيضاً”.

وأحسب أنه عند الحديث عن تمتين العلاقات بين الشعبين المصري والكردي، فإن الثقافة لا ريب ستكون على رأس قائمة الوسائل والمجالات التي يجب الاهتمام الكبير بها، لتحقيق هذا الهدف. فالثقافة هي الوسيلة الأكثر نجاعة وملاءمة في ظل الظروف السياسية المعقدة والمتداخلة التي تمر بها المنطقة، والتي تتحكم في مصيرها ومصائر شعوبها، وتفرض قيوداً وعراقيل في طريق تقارب شعوب المنطقة ووحدتها التي يجب على كل من يعيش على هذه الأرض أن يناضل من أجل تحقيقها، مهما كانت قوميته أو جنسيته أو دينه أو مذهبه أو أيديولوجيته أو أي انتماءات له، فالهدف الأسمى للجميع يجب أن يكون وحدة هذه الشعوب التي عاشت آلاف السنين متآخية ومتعاونة ومتجاورة، وضربت أروع أمثلة التعايش السلمي والحضاري قبل أن تتحكم فيها القوى الاستعمارية الكبرى فتسخر كل جهودها لتحطيم تلك الوحدة وذلك التعايش بكل ما أوتيت من قوة متعددة الجوانب سواء القوة العسكرية أو السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، وحتى الثقافية من خلال العمل الدؤوب والمتواصل على ترسيخ نظريات وأفكار وأيديولوجيات هدامة مستترة تحت عباءة القومية أو المذهبية، لتدفع تلك الشعوب والمجتمعات دفعاً نحو التقوقع حول ذاتها بعيداً عن غيرها من المجتمعات والشعوب المتجاورة والتي تجمعها معها أواصر تاريخية وجغرافية وثقافية وحضارية كثيرة ومتعددة.

وبحكم العراقة التي تميز الشعبين المصري والكردي، والحضارة التي أنتجها الشعبان، فإن الأمر لا يكون صعباً أن نواصل البناء على الأرضية الراسخة الموجودة منذ آلاف السنين، لتوثيق العلاقات الثقافية الكفيلة بأن تفتح الباب على مصراعيه أمام مختلف أوجه ومجالات العلاقات سواء الاقتصادية أو السياسية والدبلوماسية التي بلا شك تحتاج إلى سنوات وجهود جبارة لتحقق نجاحات.

إذن تمتين العلاقات الثقافية بين الشعبين هي في رأيي بمثابة القاطرة التي ستقود عملية الوحدة الحضارية بين الشعبين المصري والكردي أكثر شعوب المنطقة عمقاً في التاريخ وخدمة للحضارة الإنسانية.

الأمر فقط يحتاج إلى إيمان راسخ لدى جميع من سوف يتصدون للعمل في هذا المجال، علاوة على تنويع وسائل دعم العلاقات الثقافية، وأن تكون أكثر ملاءمة للمرحلة التي نعيشها من حيث التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الاتصالات والمعرفة ووسائل الإعلام، على أن تضطلع المؤسسات الثقافية في الطرفين بالدور الكبير الذي عليها أن تقوم به في عملية “تعبيد” الطريق وتهيئة الأجواء لإنجاح المشروعات الثقافية المشتركة.

 

*رئيس مركز القاهرة للدراسات الكردية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.