شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

لوحة أنتِ يا حبيبتي – جمعة الحيدر

0 159

 

في ليل أرخى على الكون سدوله، وجرّ على الدنيا سكونه، واختفى نجم كان يتلألأ في سماء البهجة، ليل تداعت فيه أشباح الماضي، سحبتُ كل أوراق عمري، وتناولت ورقة يومي، ونثرتُ على رسمها من مآسي الجراح كل الحروف فتطايرتْ من وهج الذكريات لأتناثر أشلاءً ممزقة في كل الأصداء، موجوع يتحامل قلمي على جمعها في كلمات، ثم تأبى الكلمات أن تُعبّر عما ينوء به الفؤاد من ألم ومعاناة ووجد ليسقط جريحاً ينزف دماً أزرقاً، كان جرحاً عميقاً أعمق من همس الوداع.

فتذكرتُ حثيث قدميك وأنت تطئين بها سكة العمر الفاني يقودها عكاز خبيث على أمل مزروع في السراب … قدماك التي حملت ذلك الجسد البالي من رحلة العذاب العتيقة والألم المر.

في غرفتك الصغيرة، دخلت لأرى بسماتك المفعمة بحسرات الزمن منقوشة على صفحات أيامك الفانية، ولآلئ ثغرك مرصوصة على جدران الليالي …. تلك الليالي التي غنت لكل الدنيا لحن الحنان، وأنا أسعد بالمثول بين يديك أرتشف للثمالة حباً حتى العطش.

وعلى سريرك المسكون بكل عذابات ذلك الزمان النشيج، عرفت أن المرض قدر الله، وأن الله واحد أحد، وأن ذلك الجسد الذي أرهقته المسافات وأدمته أشواك الطريق عائد إلى موات … عائد إلى موات … تخامرني أنين آلامكِ صاخباً في دجى الليل متجاوزاً كل الآفاق الهادئة المستكينة ويبددني وجع غامر أنأى به عن كل البشر، مستسلماً لصمت رهيب أعزف عليه لحن الوداع.

لوحة أنتِ – يا حبيبتي- ارتسمت أمام ناظري، نقشتها يد رسام لا يعرف للفن أصولاً، اختلط دمع العين بمداد الرسم، ثم انحدر إلى صدى الأيام الغابرة، فتحولت إلى لوحة بالية عفتها رياح الزمن، وظللتها شمس السنين وزخات المطر، ثم تتوق نفسي المتعبة – من جديد – إلى رؤية ذلك الصفا الجاثم أمام بيتنا وتلك الشجرة المعطرة بغرس يديك فارتطم نظري على آثار أقدامك على الصفا وشويهاتك تدور حولك.

بإصرار لذيذ ترتدين نفس العباءة السوداء، لأدرك كلمات عذبة تورق على صفحات الوجود، وأنت تجولين بين أغصان العنب والرمّان ناسجة من أوراقها عَبراتٍ أوهن من نسج العنكبوت.

أعود يا – حبيبتي – لأبحث عن هزيع من الليل لم يجمعنا فيه اغتراب ودهشة فلا أجد، ومن الهزيع إلى الهزيع، إلى انبلاج فجر الصباح أنتِ … أنتِ ولا أحد.

استدار عليكِ الزمن بدأ يطوى صفحات عمرك ولف أيامكِ في كف السنين ليستأذن الركب في الرحيل إلى عالم برزخي لانتظار الفزع الأكبر، لنصبح بين عشية وضحاها – يا حبيبي- وحتى ذلك اليوم الوعد. وسنظل ندور في دوامة الحياة ولا نستقر، نفتش عن بقايا إنسان وعن رفات حب، وعندما نفيق من تداعيات الشقاء واقعاً نحياه، نتجرعه بألم وحسرة.

أيتها الموغلة في شرايين الجسد، لم يعد في الجسد مدى للفرح والسكون، ومرآة ليلكِ أفضت إلى جمود، وشموع قصركِ العتيق آوت إلى خمود وانكسار، وليعم الكون صمت رهيب أكثر رهبة من المرض العضال … من الموت … ومن الفقد.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.