شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

مكتبة “محمد منلا غُزيّلْ” المركزية في منبج – شامة الجاسم

0 194

 

 

الكتب والمكتبات هي التي تحافظ على التراث الفكري للأمم عبر العصور القديمة وصولاً إلى العصور الحديثة، والمكتبات هي أماكن تجمع بها الكتب التي تساعدنا في معرفة ما جرى عبر التاريخ وتعطينا فكرة عن العلم والعلماء والحضارات القديمة، لذلك وُجِدت العديد من المكتبات في مختلف أنحاء العالم وكلها من أجل المحافظة على الإرث الثقافي وتوريثه للأجيال القادمة.

المكتبات العامة هي من أكثر الأماكن التي نجد فيها الكتب المتنوعة التي تضم كافة أنواع الكتب الأدبية والسياسية والثقافية وغيرها من الفنون والعلوم المختلفة عبر الأزمان، ومنبج كان لها نصيبٌ وحظٌ كبير بوجود مكتبة عامة تضمُّ الكثير من المؤلفات الفكرية والأدبية والسياسية والعلمية، ولكن ما مرّت به المدينة من ظروفٍ قاسية في ظلّ وجود الدولة الداعشية التي كانت تحارب الفكر والأدب وتزرع الفتن وتباعد ما بين الإنسان والكتاب وتشوّه الحقائقَ التاريخية والأدبية، فداعش كانت تقوم بإحراق الكتب وتمزيقها وتشويهها من أجل تشوية الفكر السليم معها، وذلك من خلال إجبار القرّاء على إهمال المدرسة والمكتبة وكل ما يتعلق بالكتب والمكتبات.

لكن بعد تحرير مدينة منبج على أيدي قوات سورية الديمقراطية ونيلها الحرية الكاملة بشتّى المجالات، عندها بدأ الاهتمام بالمجال الثقافي والفكري وذلك لإعادة منبج إلى الواجهة الأدبية، وقد جاءت فكرة البحث عن الكتب التي كانت في المركز الثقافي الذي دمرته أيدي داعش وفرّقت كتبه في كل مكان، بدأت عمليات البحث عمّا تبقّى من هذه الكتب والمجلات والقصص والروايات التاريخية والتي هي شاهد على تراث منبج الثقافي والأدبي، كان هناك الكثير والكثير من الكتب القيّمة والتي تعتبرها داعش خطراً  يهددها، وعندما بدأت الجهود في البحث بكل مكان من مدينة منبج تم العثور في البداية على عددٍ قليل من الكتب التي كانت موجودة في المركز الثقافي القديم فقررت الإدارة المدنية الديمقراطية في منبج مواصلة عمليات البحث وإنشاء مكان يحافظ على هذه الكتب وحمايتها من التلف والضياع، فالكتب قد وجدت خلال هذه العمليات الحثيثة للبحث عن التراث الفكري.

تم العثور على الكتب في أماكن متناثرة مثل مستودعات دوائر الدولة بحالة يرثى لها، فتمّ تجميعها، وبعدها كلّفت الإدارة المدنية لجنة الثقافة والفن في منبج بجمع هذه الكتب واختيار المكان المناسب لها، وعليه تم تجهيز مكتبة لتجمع هذه الكتب وبعد النقاش والدراسة تمت تسميته بمكتبة محمد منلا غزيل العامة، وقد اختيرت هذه التسمية نسبةً لهذا الأديب الذي يأخذ مكانة كبيرة في نفوس أبناء منبج فقد كان له تاريخ طويل في الأدب والشعر وتخليداً له ولما قدمه من خدمات فكرية وثقافية للمجتمع، فهو كان من كبار الشعراء والأدباء في مدينة منبج التي تتميز بتراثها الحضاري سواء من الناحية الأثرية بالحضارات التي تعاقبت عليها عبر العصور، أو بتراثها الفكري والأدبي الذي عُرف عنها وعن أبنائها.

نعود إلى الحديث عن المكتبة التي عُيّن لها موظفين بصفة أمين مكتبة وأرشيف، وبدأ العمل على تجهيز المكان حيث تمّ تقسيم المكان إلى قاعة ضمّت الكتب وقاعة للمطالعة وإقامة الندوات وجُهِزَّت القاعة الخاصة بالكتب بالرفوف المناسبة لوضع الكتب، والتي تمت أرشفتها ورتبت وتم وضع أرقام تسلسلية لها وتسجيلها ضمن سجلات خاصة بالمكتبة ومن ثم أرشفتها إلكترونياً أيضاً للمحافظة على أسماء وأرقام الكتب وتسهيل البحث عن كتابٍ ما في حال طلبه أحد القرّاء، وضمان عدم ضياعها من جديد، أما قاعة الندوات والمطالعة فقد تم وضع عدد من الطاولات الخاصة للجلوس من أجل المطالعة داخل المكتبة وقاعة خاصة للمحاضرات والندوات الفكرية والأدبية والسياسية وتم تجهزيها بكاميرات مراقبة وأجهزة صوتية.

ولا ننسي أن هناك بعض المنظمات قدمت المساعدة في تنظيف الكتب من الغبار وإعادة ترتيبها داخل الرفوف مثل منظمة كونسيرن والتي أرسلت عمالاً خاصين لتنظيف الكتب وترتيبها ضمن مكانها الخاص.

قُسِّمت المكتبة إلى أقسام كل قسم ضم مجموعة من الكتب، فالمكتبة تضم عدداً كبيراً من الكتب والمجلات يصل إلى عشرين ألف عنوان، تتوزّع بين كتب في النقد الأدبي والأدب العربي والفلسفة، وكتب سياسية ومجلات معرفية وأدبية كثيرة، وكتب في القانون والطب ومختلف فنون الأدب، والدوريات، بالإضافة إلى القصص والروايات العالمية، وقصص تخص الأطفال.

وتم تفعيل دور المكتبة من خلال فتح أبوابها للزيارة من قِبل القرّاء، وتقديم كل وسائل الراحة، من إنارة ونظافة وتكييف، وإقامة عدة محاضرات وندوات ضمن قاعة المكتبة.

مكتبة محمد منلا غزيل هي مكتبة أُنشأت للمحافظة على التراث الأدبي وإعادة الحياة إلى الكتب وتعريف الجيل الناشئ على حضارته السابقة من خلال ما يوجد داخل هذه المكتبة من كتب تاريخية. وللمكتبة أهمية كبيرة في مساعدة الطلاب في أبحاثهم ودراستهم العلمية وزيادة خبرتهم الثقافة من خلال تعرفيهم بمختلف الثقافات الأخرى ومن خلال السماح لهم بالاطلاع على مضمون الكتب الموجودة داخل المكتبة من خلال تمكينهم من استعارتها وقت شاءوا ذلك.

الكتب والمكتبات هي أساس المحافظة على التراث الثقافي في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي واعتماد الكثير من الأشخاص على المكتبات الالكترونية والكتب الموجودة داخل هذه المكتبات. وما زالت المكتبات محافظة على مكانتها ولها روّادها الذين يجدون المتعة والفائدة في قراءة ما تحتويه المكتبة. ومكتبة محمد منلا غزيل العامة، تعتبر أكبر مكتبة في الشمال السوري فكما ذكرنا هي تضم مختلف الكتب والمخطوطات وتعد إرثاً حضارياً من الناحية الثقافية، فالأمم تحافظ على وجودها من خلال هذه المكتبات الكبيرة التي تساعدنا في تنمية الفكر والاطلاع على كل شيءٍ كان يحدث. وعليه فواجبنا جميعاً أن نعيد للمكتبات دورها الرائد في النهضة.

 

 

.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.