شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الكتابة فن وأخلاق – نارين عمر

0 190

 

 

 

 

 

 

إذا كانت الكتابة أخلاقاً وفنّاً وأدباً فلا بدّ لكلّ مَنْ يلجُ عوالمها أن يكون متمتّعاً بقدْرٍ لا بأسَ به من هذه المقوّمات والمفاهيم ليكون قادراً على البقاءِ فيها كشخصٍ مرحبٍ به لأطول فترةٍ ممكنة قد تطولُ مع طول عمره في الحياةِ أو قصرها، بل قد تطولُ وتدومُ حتّى بعد رحيله عن عالمنا الدّنيويّ، ولا أقصد الأخلاق هنا بمعناها المعروف المتعلّق بالشّرف أو نقيضه إنّما الأخلاق التي يتمكّن الشّخص من خلالها أن يلج هذا العالم بثقة وأمانة.

الكتابة كونها الأخلاق والفنّ والأدب معاً تعدّ من أصعب المهن أو النّشاطات أو الهوايات أو المواهب التي يسعى إليها الإنسان وفي الوقت نفسه تعدّ من أسهلها أيضاً، أيّ ينطبقُ عليها مقولة “السّهل الممتنع” الذي يغري الآخرين بالانجذاب إليه وحين يقترب منه يجد العراقيل والصّعاب تنتظره.

قبل عدّة سنوات أي قبل هبوب الرّياح والعواصف البشريّة المتمثّلة بالحروب العشوائيّة التي حلّتْ بالكثير من مناطق الشّرق ومن ضمنها منطقتنا كان الشّخصُ منّا ينتظرُ وينتظرُ طويلاً ويعدّ من الواحد إلى الألف بل إلى المليون حين كان يفكّر بالولوجِ إلى هذا العالم وحتّى مَنْ كان يدخله متسلّلاً لا يمتلك مقوّمات وملكات الكتابة والأدب كان يقعُ ويسقطُ سقطة لا قيام أو قومة له، أمّا الآن وتحديداً منذ هبوب رياح هذه الحرب المجنونة وحتّى الآن أصبح الكثير من الكرد رجالاً ونساء، شباباً وكباراً كتّاباً وأدباء وشعراء بل وسياسيين ومفكّرين ونشطاء وباحثين وقادة محنّكين وكأنّ هذه العواصف والرّياح والرّعود والبروق التي هبّتْ على شرقنا وعلى منطقتنا ومجتمعنا قد سقطتْ على فك وعواطفِ ووجدان هؤلاء ففجّرت فيهم آبار الثّقافة والعلم والأدب والكتابة والسّياسة، فصاروا يتنافسون ويتبارون ويتفاخرون ويتحمّسون بالمحاضرات والأمسياتِ والخطابات والهتافاتِ، ويُدْعون بطرقٍ وأساليب ما إلى الاحتفالات والمهرجاناتِ والحفلاتِ وهم واضعون على رأسهم ريشاً ووبراً وصوفاً وحراشف يتنافسون على المقاعد الأماميّة وعلى الألقاب الخلّبيّة والشّاقوليّة والعاموديّة، ويجوبون الأرض بطولها وعرضها، ويقول الواحد أو الواحدة منهم: “يا أرض اشتدي ما حدا قدّي” مستخدمين في ذلك كلّ ما يملكونه من مواهب دفينة في الانتهازيّة والاستغلاليّة والأنانيّة سيراً على مبدأ “الغاية تبرّرُ الوسيلة”.

نقول هذا مع التّأكيد على أنّنا نباركُ صاحب كلّ قلمٍ يترجم صدق شعور وحسّ أيّ شخصٍ وأيّ فردٍ في مجتمعنا. نبارك لهم فكرهم ونبل وجدانهم وسلامة ضميرهم تجاه شعبهم ومجتمعهم ووطنهم، ولسنا ضدّ أيّ شخصٍ يلجُ عالمَ الكتابة والأدب والعلم والمعرفة ولكنّنا نتمنّى على هؤلاء إذا حصلوا على مكانةٍ ما وتبوءوا مناصب ما ألا يستهينوا بغيرهم وألا يهينوهم.

كما أنّنا نشجّعُ كلّ مَنْ يجد في نفسه مَلَكة الكتابة والأدب ونحيّيه على عواطفه وأفكاره ونرى أنّنا نمرّ بمرحلةٍ حرجةٍ وحسّاسة تتطلّب من الجميع أن يتكاتفوا ويتضامنوا لإنقاذنا من الأزمات التي نعيشها لتحقيق مكاسب لنا جميعاً من خلال استغلال فرص هذه المرحلة العظيمة والخطيرة التي نعيشها.

ليس لدينا متسع من الوقت لنتحاور على أمور تلهينا عن التّفكير بقضايانا المصيريّة. ليس أمامنا الكثير من الوقت لنتبارز ونتفاخر على أيّنا هو الأفضل وأيّة جماعةٍ أو كتلةٍ أو منظّمةٍ منّا هي الأفضل والأكثر كفاءة وعطاء وقدرة على العطاء.

الوطن ينادينا والضّمير يدغدغ حسّنا وفكرنا، فلينطلق كلّ منّا بحسب طاقته وقدرته على العطاء وبعد أن تهدأ الأمور وننجز ما نسعى إلى إنجازه وتحقيق ما نطمحُ إليه فليسارع مَنْ يريد ويرغب إلى تشكيل ما يحلو له من المجموعات والتّنظيمات والاتحادات وليبجّلَ بنفسه وأمجاده، ويظهر نفسه كما يشاء وكما يحلو له.

قديماً قالوا: القلم ذو تأثير فعّال كالسّلاح ذاته فإن لم يستطع الإنسانُ القتال والدّفاع بالسّلاح بإمكانه فعل ذلك بالقلم والفكر. فليقاتل كلّ منّا بحسب السّلاح الذي يمتلكه، وليدافع عن وجوده وأرضه بهذا السّلاح الفعّال.

نقطة أخرى نودّ أن نتطرّق إليها حول مسألة وهي في غالية الأهمية، ليس بالضّرورة أن يلج مجال الكتابة والتّأليف والفنّ ليظهر نفسه بل هناك مجالات أخرى بإمكانه تحقيق كلّ ما يريد من خلالها وفقاً لما يتمتّع به من مؤهّلات وإمكانيات ويتمكّن من تقديم الأفضل والأمثل له وللجميع، وقد يبرز في مجال اختصاصه بشكل يفوق تصوّره وتصوّر الآخرين.

النّقطة الثّالثة التي يُفضّل الإشارة إليها تلخص في إبراز الشّخص منّا نفسه وذاته بكلّ الإمكانيات المتاحة في الأيّام الحالكة وفي الظّروف الصّعبة التي يمرّ بها مجتمعنا وواقعنا، ويتحدّى كلّ تلك المصاعب وأصحاب النّفوذ الذين يحاولون الإساءة إليه وإلى المجتمع بشتى الطّرق والوسائل، فلا يجوز لنا أن نترك أفراد مجتمعنا في مصائبهم ونتهرّب ونخفي ذاتنا خشية إلحاق الأذى بنا.

الكاتب والأديب الحقيقيّ هو الذي يظهر في أوقات الحاجة والطّلب، في الأوقات التي يتعرّض فيها مجتمعه وشعبه لشتى صنوف العذاب والتّعذيب والإساءة ويكتب عن كلّ تلك الأمور، ويظهرها للرأي العام المحليّ والعالميّ لتكون نصوصه الكتابية مرآة من خلالها يعكس ما يتعرّضون له. هنا تقفز إلى البال والخاطر بعض المواقف التي كان يتعرّض لها الكتّاب والأدباء المنتمون إلى هذا الصّنف أي صنف المناضلين بقلمهم والمخلصين بفكرهم من أبرزها:

كان عدد الكتّاب والأدباء والفنّانين قليلاً وفي بعض المناطق كانوا يعدّون على أصابع اليد الواحدة لأنّه كان هناك خوف وخشية من جهات معيّنة ولكي يحافظوا على سلامتهم وأمن عائلاتهم وأعمالهم، لذلك قلّة من النّاس كانوا يتحدون كل شيء ويضعون روحهم على كفيهم ويناضلون بقلمهم وفكرهم على الرّغم من أنّ هؤلاء كانوا يبرّرون للآخرين خوفهم وخشيتهم، لذلك كنّا نجد الجودة في الكتابة وحسن الاختيار في النّشر بالإضافة إلى التّقويم والتّقييم في الآراء ممّا يتمّ كتابته ونشره وتقبّلاً من القرّاء الذين كانوا يبدون رأيهم بمصداقية ورقيّ، وإن وجدت منافسة بين الكتّاب فكانت تهدف بالنّهاية إلى تقديم الأفضل والأكثر تأثيراً على الآخرين الذين يتلقون المواد الأدبية ويطالعونها أو يطلعون عليها.

الكتّاب والشّعراء والفنّانون  الكرد كانوا فيما مضى من الأعوام والسّنوات يشكّلون أقليّة المجتمع ويُعتَبَرون من الفئة المضروبة على مخهم وعقلهم لأنهم يسلكون طريقاً لا تجلبُ لهم مالاً ولا جاهاً ولا مكانة اجتماعيّة وحينها كان معظم هؤلاء الطّارئين على المشهدين الأدبي والكتابيّ يضحكون عليهم ويسخرون منهم، ويتهمونهم بمحاربي طواحين الهواء وبعد هذه التّقلبات المفاجئة على الواقع الرّاهن انقلبت تلك المفاهيم أيضاً، وبات لحاملي القلم مكانة تعلو السّماوات كلّها وهذا أمور فيها الإيجابية والتّفاؤل وفيها الكثير من الاستغراب والعجب أيضاً.

مرّة أخرى يجب التّأكيد على ضرورة العمل والنّضال بمختلف الوسائل لتحقيق ما فيه خير مجتمعنا وأرضنا ووطننا والمباركة لجهود كلّ المخلصين والأوفياء الذين يزدادون تواضعاً ورقيّاً كلّما ارتقوا لسماء الخلق والإبداع. التّواضع الذي يكشف عن حقيقة الكتّاب ويفرز المجيد والمبدع منهم عن غيره من الدّاخلين إلى هذه العوالم، وهذا التّواضع هو سرّ ارتقائه وارتقاء كلّ شخص يحاول أن يبدع في أيّ مجال ويخدم الآخرين بمختلف شرائحهم وطبقاتهم سواء كان إبداعه بالمال أو القلم والفكر أو بالرّوح والدّم، وهذا هو سرّ تقدير الآخرين له واحترامهم، ومهما كان الشّخص ممتهناً لفنّ المراوغة والأنانية والانتهازية فلابدّ أن تظهر حقيقته أمام نفسه وأمام الآخرين، وبكلّ تأكيد هذا الشّخص لن يعيش مرتاح البال وهادئ الخاطر؛ لأنّه يدرك جيّداً حقيقة نفسه قبل غيره وإن حاول إخفاء ذلك أو إنكاره.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.