شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الثقافة في زمن الحروب ـ مصطفى عبدو

0 190

 

 

 

 

 

عندما تصل مؤشر التناقضات إلى حالة تناحرية  تبدأ الحروب، وأخطر ما في الحروب أنها توظف الثقافات لإنكار المصالح الطبقية، ولإخراج الحروب عن مضامينها وأهدافها الحقيقية، وقد يستخدم البعض الثقافة ستاراً لتصوير الحروب على أنها ضرورة لكل الطبقات الاجتماعية.

ما من شك أن الثقافة باتت الضحية الأولى للنزاعات والحروب في العالم ككل وفي منطقتنا بشكل خاص, حيث باتت الصراعات المسلحة والنزاعات بمثابة الطريقة المثلى للعيش في الحياة، هذه النزاعات والصراعات حطمت النفوس والمواهب وقتلت الإبداع لدى الكثير من أصحاب الأقلام المبدعة والأيادي البيضاء. ليس هذا فحسب بل أدت إلى نشوء ظاهرة جديدة في مجتمعاتنا يمكننا تسميتها بـ (القوى المتنافرة), القوة الناعمة والقوة الخشنة.

القوة الناعمة والقوة الخشنة

يمكننا تقديم القوة الناعمة بأنها القوة التي تملك القدرة على الجذب والإقناع إلى جانب بعض الجاذبية الدبلوماسية والسياسية والثقافية. أي أن القوة الناعمة هي قوة القيم والمبادئ. وهي التي تجد نفسها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن رفع المعاناة عن المواطنين وهناك مصادر متعددة لهذه القوة، المصدر الأول هي ثقافتها ومورثها الحضاري، فكلما كان هذا العامل جاذباً للاهتمام سواء كان في تقاليده الشعبية أو في ثقافته كلما زادت  جاذبية القوة الناعمة. والمصدر الآخر هو جاذبية المؤسسات والسياسات التي تتم اتباعها تعزز من القوة الناعمة.

بينما القوة الخشنة هي التي تملك القدرة على الإرغام والإكراه والمتشكلة من القوة العسكرية أو من سيطرة إمكاناتها الاقتصادية  أو غيرها. والقوة الخشنة دوماً تلجأ إلى التعبير عن نفسها من خلال الأساليب العسكرية ولا تجد حرجاً في اتباع أساليب المضايقة والمعاكسة وصولاً إلى الضغط والمقاطعة والحصار الاقتصادي للوصول إلى أهدافها. ومن جانبها القوة الناعمة تتبع لنفس الأهداف المذكورة أنماط مختلفة  أساسها توسيع المفاهيم والمعلومات وتقدم الأمثل والأصلح والأنجح من الحلول.

من يلجأ إلى هاتين القوتين؟

تقاسي المجتمعات الإنسانية اليوم العديد من الشدائد والتي بدورها تحتاج الى إمكانات كبيرة لتكون بمقدورها إحداث تحويل أو تغيير في بعض السلوكيات المتراكمة، وربما القيام  بمهام خارقة في بيئة متفسخة تضج بالتعسف والطغيان، وهذه الإمكانات لا توفرها  الدول القومية التي تتسلط على مصائر شعوبها! وهي غير قادرة على إحداث أي نوع من التغيير الإيجابي مادامت تركن الى القوة والاستبداد وتعيش حالات من الهيمنة على مقدرات الشعوب، ذلك لأنها فشلت في بسط العدل والسلم في المجتمعات.

على الرغم من مركزية القوة الخشنة فما زال البعض يجدها «ضرورية وحتمية» وخاصة في الدول القومية التي تسعي للحفاظ علي استقلاليتها وكذلك المنظمات والجماعات الإرهابية التي تتبني سياسيات «العنف». بينما تسعى المجتمعات الديمقراطية والأفراد والمؤسسات والإدارات الذاتية إلى القوة الناعمة لتحقيق أهدافها.

القوة الناعمة والخشنة في الشمال السوري

وبالعودة إلى واقعنا الراهن ومقارنتها مع ما ذكر، وفي الشمال السوري تحديداً، نجد ان القوة الناعمة ظلت متمثلة في قوة ثقافتها وفي ثقلها السياسي، ولكن هل ظل هذا الثقل السياسي بلا منازع أم هناك من يحاول زعزعة هذا الثقل؟

المتابع للوضع يدرك أن هناك أكثر من جبهة تقف في وجه هذه المشاريع “القوة الناعمة” معتمدين بشكل مباشر على مشاريع كيدية تابعة لأجندات محملة  بثقافة مغايرة، مشاريع تحمل توجهات ومشاريع تحاول القضاء على كل الآمال  للبناء. وهنا تبرز أهمية التوظيف الفعال للثقافة، فالمجتمع السوري يتملك رصيدا ضخما من المخزون الثقافي المشترك، ويجب العمل لينسجم هذا المخزون مع المنطق وحاجات العصر وفي بناء الثقافة العامة للمجتمع.

لقد أثبتت شعوب المنطقة في السنوات الأخيرة أنها تستطيع التواصل والتعايش فيما بينها، وأنه ليس هناك ما يفرقهم على الرغم من محاولة  البعض زرع الخلافات وإثارتها، فعلى سبيل المثال نجحت الإدارة الذاتية الديمقراطية  في التقريب بين مكونات المجتمع السوري من خلال  الثقافة التي تمارسها هذه الإدارة.

هنا, يجب الأخذ بالحسبان أن أي مشروع مصيري مهما كانت غايته من المستحيل أن يكون معركة بلا طائل ولا بلا خصوم أو أهداف وأنه يجب علينا أن نستميت في دفاعنا عن ثقافتنا وسياساتنا ونشرها وتطويرها والتعامل الواعي مع الجميع لنصل إلى أهدافنا التي نسعى لتعميمها في المنطقة.

دور المثقف في ظل الظروف الراهنة

أزمة المثقف المعاصر هي أنه يراوح مكانه ضمن ثالوث السلطة والأيديولوجيا والمصالح، كما أن الوظائف التقليدية للمثقف لم تبرز بالشكل المطلوب في التحولات التي تجري في المنطقة.

على المثقف اليوم, أن يعيد مراجعة نظرياته وأفكاره، وبناء تصوراته، وتكييف أساليبه، وتجديد خطابه, ويعيد النظر في مفهوم المثقف ورسالته، ليتمكن من المساهمة  بفاعلية في إنشاء نظام ديمقراطي. وإعادة الروح إلى علاقة المثقف بالجماهير، كي يمارس وظيفته الأدبية والأخلاقية، وتجديد شرعية المثقف بحفاظه على استقلاليته، وتحلّيه بالنزاهة وبالضمير والأخلاق.

الخاتمة

وباء الإرهاب المنتشر اليوم في العالم وفي الشرق الأوسط بشكل خاص جزء من منابعه الرئيسة يكمن في الفراغ الثقافي في المجتمعات واستطاعت بعض التنظيمات المتطرفة ملئ هذا الفراغ لصالحها، وهذا الفراغ لا يقل تأثيره عن تأثير السياسات الفاشلة التي لم تستطيع استيعاب جميع مكونات المجتمع، ولم تنجح في حل مشاكلهم الأساسية.

إن الوقائع, ومجريات الأحداث، تقتضي منا الاعتماد على قوة لا تعزز سياساتنا وتوجهاتنا الخارجية فقط، إنما تعزز مكانتنا الداخلية بين مكونات المجتمع عامة من خلال تعزيز ثقة مواطنينا بأنفسهم وبتوجههم السياسي وبمستقبلهم وشكل الإدارة المتبعة. لذلك نحتاج إلى تطوير قدراتنا الناعمة, خاصة وأن منطقتنا تواجه تحديات خطيرة، وتمر بتغيرات حقيقية، وتواجه عملية إعادة التشكيل في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية-الثقافية وإزاء هذا الوضع الحرج بات من الضروري إعادة النظر في الاستراتيجيات والسياسات القديمة التي أثبتت فشلها، على أن يكون هناك استعداد لتبني استراتيجيات وسياسات جديدة تنسجم مع حاجة الشعوب والمكونات وحجم التحديات التي تواجهها، وسيكون الجمع بين قوة صلبة ناضجة، وقوة ناعمة جاذبة احد الخيارات الصحيحة لرسم معالم الطريق نحو مستقبل أفضل لجميع مكونات وشعوب المنطقة.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.