شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

عندما أصبحتُ سلطاناً ـ أرتيش الحسيني

0 197

 

 

ذات يوم راق خيالي؛ رأيت نفسيَ الحاكم المُتَصَرِّفَ في هذه المدينة طليق اليد؛ حيث كل الإدارة ما أعلمها وما لا أعلمها تَمُرُّ تحت إمضاءِ قلمي وَخَتْمِ حاكميّتي.

حقيقة للوهلة الأولى استمرأت الأمر كثيراً؛ حين تراءت لي صورة مقعدي الدوار وهالة الرهبة التي ستحيط بي، وفي طريقي للجلوس عليه ورغم قصر المسافة التي بيني وبينه أصبحَتِ الأخلاق والأطماع تتناطح في حرب شديدة وخاطفة لِعَظيمِ التناقض بينهما.

لا أخفيكم سراً أن الفوز في المعركة كان يميل في غالبيته نحو الطمع، وكان ما يؤازره في ذلك الفوز تلك الأموال المكدسة الكثيرة  التي كانت تتراءى له في الخزائن المتراصفة، وفيما هذه المعركة ما تزال دائرة وقائمة على أشدِّها تسللتُ من بينهما وتمكنت من الوصول إلى المقعد الدوَّار فجلستُ عليه حيث رهبة السلطة وسلطانها والقول النافذ، والأمر، والنهي، وتحقيق العدالة، والبطش، والسطو، وغير ذلك من منافذ السلطة وأذرعها.

أمضيت بضعة أيام للفَصْلِ في الصراع القائم بين الأخلاق والأطماع؛ أقولها بصدقٍ إنَّ العبْءَ كان ثقيلاً على كاهلي والحياة كانت رتيبة ومضجرة بعض الأحيان بالنسبة لي.

وعلى غفلة مني دخل علي شخصٌ فسألني أوَّل ما سأل: عَلامَ تبدو مهموماً شاحب اللون أصفره.

اطمأنت نفسيَ له كثيراً فدعوتُه إلى الجلوسِ بجانبي وصارحته ما يدور في خلدي فشهق شهقة عميقة أدركت منها أنه عارف بأمور الخلق وما يدور في المدينة؛ فطلبتُ منه الحديثَ عنها بأفراحِها وأتراحِها

فقال: أمَّا الأفراح فلأهلها وهم قلائلُ، وأمَّا الأتراح والمآسي والكآبة ففيهمُ أقوال وأحاديث وحكايات يا (سيدي السلطان).

مددتُ يدي إلى ربطةِ عنقي واستقمتُ في جلوسي عندما سمعتُ منه قول (سيدي السلطان)، وأخذ الرجلُ يُعَنِّنُ ويُبوِّبُ حديثه  فيقولُ: أمَّا بابُ الغِشِّ ففيه فصول، وأما باب الفساد والاختلاس فمدعاة للعجب العجاب والذهول، وأما باب الالتفاف على القوانين، والرِّشى، والمحسوبيات، والعملاء، والمندسين والمتسلقين فهم كالنهر الفائض الذي يلعق جدران البيوت المَبنيَّة على ضفتيه ويستدعي أن تقرع له الطبول قبل أن تبدأ شمس المدينة بالأفول…

حتى انتهى إلى باب المآسي، وبدأ من نفسه فقال: أنا شخصٌ من هؤلاءِ الأشخاصِ وقد كان لي بيت يأويني واُسرةٌ أتدثر بها عندما تتكالب عليَّ مُزعِجاتُ الليالي قبل أن تقع الفاجعة عليَّ وتنتهي المسرَّات من قلبي وتزوُلَ إلى الأبد، وأصبَحَتِ الكآبة ترافقني كظلي، وأحتضنها في حلّي وترحالي، وفي مثلِ حالتي الكثير من القصص والروايات التي تُدمِي القلوب؛ فرأيتُ من الواجب أن اُبدِيَ لك النصيحة وأجهَدَ في ذلك لِئلاّ تكون على هامش التاريخ أو من المَنسيِّينَ؛ فالحاكم إنما يُخلّدُ بِمَحَاسِنِهِ ويُكتَبُ اسمه بحروفٍ من ذهبٍ في صفحات التاريخ.

فقلتُ: فِيْمَ مأساتُك إذن؟؟

قال: أنا أعلم أن لِمَقَاعِدَ الحُكْمِ سلطانها ومَفَاتِنُها وغرورها وقد كانت مأساتي ــ وأنا القليل الحيلة والتدبرــ  مع مُتصَرِّفٍ صغيرٍ في مدينتكم؛ بيده الأمرُ والنهيُ وهو أقل منك شأناً وأدنى درجةً، ولذلك تبتَّلتُ لهذا الأمر لعلّني أستطيع منع ذلك مع أسَرٍ أخرى تحت وارف ظلال حُكمِكُم الذي آملَ فيه أن تتغلب الأخلاق على الأطماع؛ فلا تتعجب إذا قلتُ لك كُنْ حاكماً صَنَعَهُ الشعب، ولا تَكُنْ حاكماً صَنَعَتْهُ الأطماع حتى لا تنحَازَ إليها على حساب الشعب؛ فالطُّغاةُ تُتَعتِعُهم سَكَرُ الكرسي وتُثمِلهُم سُلافَةُ النفُوذِ فإمِّا أن يَحرِقُوا أنفُسَهُم فيكونوا بِتَفَاهَةِ البَعُوضَةِ، وإمَّا يدمرون بُلدانهم فيكونون بقذارة الذُّبابةِ وتِيْهِ الخُلْدِ، وأنا إذْ كنت من الوافدين إلى مدينتكم لِمَا سمعنا عنها من استتباب الأمن والأمان ورَغَدِ العيشِ هرباً من ظُلمٍ حاقَ بنا فتجشمنا وَعثاءَ السَّفر وأهوال الطريق وأمضينا الليالي متسللين متسربين من بين الأشجار راكضين في الصحراء حُفاةَ الأقدامِ عطشى وجياعَ تاركينَ وراءنا ما عزَّ وطاب؛ نلتمس في بلادكم العيش من كدِّ أيدينا، وحين حطّت بي أقدامي في هذه الديار مع جمعٍ غفير من بني قومي؛ تَزَاحَمْنا على استكراء البيوت لتدرأنا من قرِّ الشتاء وقيظ الصيف؛ فرأينا من الجَشَعِ في ذلك ما يشيب له القَذالُ وكلٌ مُطلَقُ اليَدِ فيما يَضعُ من الإيجار دون رادع من القوانين والمُحاسَبَةِ، ومررنا بفنون الاختلاس مما شابه ذلك، وعلى الرَّغم من هذا كله طوَينا ذكريات الفرار من مدينتا في مطاوي النسيان وكل من هذه الجماعة ذهب إلى حيث حطت به الأقدار في مدينتكم وانقطعت عنيَ أخبارهم!! أما أنا فأمضيتُ وقتاً طويلاً بين الأحياء والأزِقَّةِ في رحلةِ بحثٍ طويلةٍ عن دارٍ تأويني حتى استدللت بأطراف مدينتكم على دارٍ وطيئةٍ أشبهَ بكوخِ دجاجٍ فاستكريتها، ونالني من أهل المعروف (وهم نُدُرٌ إلى أبعد الحدود) ما نالني من كِساءٍ وقُوْتٍ أنقذني من هلاك محتَّمٍ، وبعد أن استقر بِيَ المُقامُ يا (سيدي السلطان) كان لا بد لي من السعي وراء عَمَلٍ لِأقتات منه وأسدَّ به جوع أهل بيتي.

فَتَّشتُ كثيراً وطرَقْتُ الأبواب كثيراً وتعرفتُ على الأرصفة وعَلِمتُ أماكن الوَهْدَاتِ في الطرق إلى أن أتى عليّ حين ٌمن الدهر فاهتديت إلى حانوتٍ كبيرٍ، وبعد أخذٍ وردٍّ تملكتني الشجاعة وسألتُ أحد الرِّجال المتحلقين بمائدةٍ مستديرةٍ على باب حانوتٍ كبيرٍ، وفي أيديهم ورقٌ ملونٌ ودفاترَ وفواتير منها ممهورة ومنها بيضاءَ ناصِعةَ البياضِ فرفع أحد الجالسين بَصَرَهُ على مضضٍ؛ فشذَّرت قولي  وأعَدتُ على مسامعه السؤال ــ هل أجِدُ عندكم عملاً لي؟؟ــ

ولعلَّ هذا اليوم كان يوم سَعدي حين رأف بحالي وقال: نعم ستكون أجيراً لدينا في هذا المركز (وكان المركز أو الحانوت الواسع مخصصاً لبيع أسطوانات الغاز)، لم تسعني الدنيا من الفرحة حين قَبِلنِي عاملاً لديه، وأحسست بأن كرامتي ارتدت إليَّ فجرى الاتفاق بيننا لبدْءِ العمل في الغد، فاستعجلتُ الخُطى وطويتُ المسافات فوصلتُ إلى البيت وكانت امرأتي تترقب قدومي فبشَّرتُها فتوهَّجتْ أساريرها فرحاً.

في تلك الليلة كان الزمن يسير ببطء شديد، انتظرت كثيراً ثورة فوران إبريق الشاي لتنضج من فوق الأثافي التي كانت تنوب عن موقدنا الغازي، تقلبت ذات اليمين وذات الشمال كثيراً حتى اشرأبت الشمس بأشعتها الذهبية وغطت السماء، أسرعتُ الخُطى، بدأتُ العمل وأنا مغمور بنشوة كبيرة، مَضَتِ الأيام والأسابيع سريعة اقتحمت أسرار العمل وما يدور على هذه القطعة من الأرضِ.

كانوا أربعة شركاء وكل منهم متصرف على سجيته يبدون للرائي إليهم في ظاهرهم أنهم متحدون ملتئمون إلا أنهم عند الغوص في أغوارهم تجدهم مجزَّئِين متناحرين لا يهتدون على رأي صائب فيما بينهم، لم يجتمعوا يوماً على تلك الطاولة المستديرة ليتفقوا على طريقة تُعالَجُ بها شكاوي القوم وما كانوا يعانونه أو يحققون أمانيهم ــ  من مثل الاختلالات التي كانت تصيب صمام أسطوانات الغازــ.

في أحيان كثيرة كانوا يقتربون من تلافي هذه المشكلة العصِيَّة فيما بينهم؛ إلّا أن الشريك الذي كان يملك أكثر الأسهم يبادر إلى النقض في اليوم التالي، ويستمرُّ في إفراغ الأسطوانة من كميَّةٍ من محتواها الأساسي، ويتنصل من مسؤولية الخلل في الصَمَّامِ؛ فكان الأمر الذي يصيبني بالذهول والحيرة هو ما ينطوي عليه هذا السؤال الذي يتبادر إلى الذهن عنوة من غير استئذان.

أَلَا يُفكر هذا في ما يمكن أن تصيب أيَّة اُسرة جَرَّاءَ هذا الخلل وعدم إصلاحه ولربما كانت اُسرته من بين هذه الأسر؟؟.

لَعِبَ المالُ والطَمَعُ دورهما واستمر الأمر على هذه الشاكلة ودامت هذه المناكفة.

في أحد الأيام قُيِّض لي أن حُظيتُ بإحدى هذه الأسطوانات فسُررتُ بها كثيراً رغم معرفتي السابقة بأخطارها، لكنني ــ وكما يقولون إن الفرحة العظيمةَ تُذهِبُ الألباب ــ لم أَحْتَكِمْ إلى العقل أو لعلني لم أكن مرغماً لأكون خبيراً في هذه الأعطال والاختلالات فهذه من مسؤولياتهم وعلى عاتقهم تقع ترشيدي إلى الاستخدام السليم، وبعد أن استكملت إجراءات تركيب الأسطوانة وانتهيت منها؛ عمدتُ إلى فتح صمامتها لنُشنِّف آذاننا بصوت النار الهادئ الوديع المنبعث من طبَّاخ البيت (بابور الغاز) بعيداً عن سُخَامِ الأسمال التي كنا نستخدمها في طهي الطعام.

خيَّم علينا الليل ونحن فرحون بالضيف الجديد ولم نكن نعلم أنه  سيغدر بنا حين تسرَّب الغاز من جوانبه وفوهته، وامتلأ البيت به وبدا كقنبلة موقوتةٍ مهيأة للانفجار في أية لحظة وما إن أومضت الشرارة من الولّاعة (القدَّاحة) في يد ابنتي التي كانت كزهرٍة جَنيَّةٍ حتى التهمت النيران الدار بمن فيها يا (سيدي السلطان).

حين سمعت كلمة السلطان؛ انتبهت من شرودي واستيقظت من غفوتي والتفتُ يميناً وشمالاً ولكن الرجل اختفى دون عودة، واستطاعت الأخلاق أن تتغلب على الأطماع فأصدرت الفرمانات المشدَّدة التي تقضي على الفساد ليعيش الشعب في بُلهنيةٍ ورخاءٍ وأتربع عرش التاريخ.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.