بدون العشق لن تتكون مهنة الأدب – عبد الله أوجلان

 

عبد الله أوجلان

 

عندما يتم الحديث عن معضلة الرواية التي تعتبر أهم فرع للأدب بشكل عام، خاصة من أجل يومنا الراهن؛ أثق بأنه لا بد من إجراء تقييمات هامة، وبدأت أتعمق بكثرة في هذا الموضوع ضمن تحليلاتنا.

إنني على قناعة بأنه ينبغي تقييم هذه التحليلات ككلاسيكيات أساسية للأدب الكردي. وأن أسلوب هذه التحليلات أخذ يكتسب تدريجياً أهمية بالغة. ليس فقط ببعديه السياسي والعسكري، بل ببعده الاجتماعي أيضاً. وأنني مرغم على إظهار هذه التحليلات كأهم مصدر من أجل الرواية. كما عمد العدو إلى ترك كردستان خاوية من السياسة والاقتصاد والتاريخ، كذلك رغب أيضاً أن يتركها بلا أدب. ولأنه لا يملك الأدب والمعرفة وعلم الجمال فقد طبق سياسة التدمير بشكل منظم على كردستان.

انطلاقاً من هذا فأن سرقة واستعمار الأدب وصل إلى مستويات عالية جداً في يومنا  الراهن. ما هو التخريب الاستعماري الموجود في حقيقة الأدب الكردي؟ لقد ظهرت أنواع مثيرة وهي النماذج الكردية الأصل التي تلعب أدواراً مهمة في مجال الأدب والفن، فكيف يجب تناول أوضاع هذه النماذج؟ حقيقة هل يدخل هؤلاء ضمن تصنيف الأدب التركي أم أنهم ضمن نطاق آداب الاستعمار الأخرى؟

إلى أي فئة يمكننا أن نصنف هؤلاء ضمن الأدب الكردي؟ على سبيل المثال هناك أحمد شوقي، الذي يعتبر أكبر شاعر في الأدب العربي ولكنه كردي الأصل. وهناك أحمد عارف في الأدب التركي ويلماز غوني في السينما التركية ويشار كمال في الرواية، حتى أنه هناك العديد من الذين لم أذكر أسماءهم إذ لا أرى حاجة لذلك، فعلى الرغم من أنهم ينتمون إلى أصل كردي، إلا أنهم يصبحون أبرز أدباء القومية الحاكمة. هذا يُظهر أن الاستعمار ذو تأثير كبير على الأدب، إنه الصهر وهو بارز لآخر درجة. لذلك يتطلب توضيحه وإلقاء الضوء عليه. والأهم من كل ذلك؛ تُرى ماذا سيكون دور الأدب المنهار والذي تم إحراقه في كردستان؟

يعتبر الأدب من العوامل الرئيسة التي مهدت لولادة الثورة الروسية وكذلك الثورة الفرنسية. وأن تحضير الثورة الفرنسية هي تحضيرٌ للأدب، حتى أنهم يصيغون فلسفتها بفلسفة التنوير. تعد تلك الفترة الرومانسية المدهشة وكأنها حجر الزاوية للثورة. ويمكن قول الشيء نفسه لأجل الثورة الروسية أيضاً. فمثلاً من دون ظهور شخصيات كـ “تولستوي ودستويفسكي وغوركي وبوشكين”، لا يمكن التحدث عن ظهور الثورة الروسية. ومن الممكن مشاهدة تطورات مشابهة لهذه في الشرق الأوسط أيضاً.

تحتل الخطابة مكانة قوية جداً في الثورة الإسلامية، حيث هناك شعراء قدماء للعرب. وحتى القرآن يعتبر لغة للأدب والشعر. فأن تحاورنا على القرآن والأدب، حينها ماذا يمكننا قوله عن القيمة الأدبية للقرآن؟ لم أتطرق كثيراً لهذا الموضوع، إنما أول ما يمكن ذكره، هو أن القرآن إنجاز أدبي مكمل. ويشبه الرواية والشعر وهو أعظم لغة للبلاغة، أي التحدث بفصاحة كبيرة. ويعد القرآن لوحده ظاهرة أدبية، حتى أنه يمكن التفكير بأن كافة كلاسيكيات الإسلام تمثل إنجازات أدبية عظيمة، حيث هناك علاقة شمولية فيما بين الإسلام والأدب.

الاقتراب بالمقاييس العصرية ليومنا إلى الأدب الإسلامي والمؤلفات والآثار الأدبية التي طورها، له فائدة عظيمة. أصحاب العرفان والمعرفة على مدى العصر الوسيط، ابتداءً من حكايات “ألف ليلة ولية” و”سياسة نامة” ومن “شاهنامه الفردوسي” إلى “مشنوية مولانا”؛ جميعها يمكن اعتبارها نصف رومانسية أو أعمالاً عظيمة ورائعة للغاية.

بشكل عام، المثقفون عدا الأوروبيين، لم يتمكنوا من بحث حقائقهم التاريخية من هذا الجانب، لأنهم ذوي عقدة الشعور بالنقص. وينطبق الشيء نفسه على مثقفي شعوب الشرق الأوسط. مع العلم أنهم يملكون ميثولوجيات وملاحم وحتى أنهم يمتلكون كلاسيكيات. حتى إن أشعار فقي تيران وملحمة “مم وزين” التي كتبها أحمد خاني بلغة منظومة، تعتبر بمثابة الرواية في الأدب الكردي.

الأمر الآخر هو أن لهؤلاء جبهات خلفية، ينبغي إنشاء علاقات وصلات فيما بين البنية الاجتماعية للمرحلة وبين تطوراتها السياسية. كذلك وضع مكانها في تكوين الأمة الكردية. هذه الأمور هي نقاشات أدبية وتاريخية ومن الضرورة القيام بها مستقبلاً. ما أود الاشارة اليه هنا هو أن هذه الشعوب ليست عديمة الجذور أو أنها بلا أدب.

يعتبر الشعب الكردي أحد اقدم شعوب الشرق الأوسط وصاحب تراث أدبي عريق جداً في الوقت نفسه. أرغب بإيضاح هذا الجانب أيضاً، ليس من أجل استصغار الشعب التركي، إنما إن كنا سنتحدث عن شعب تم تكوينه من الناحية الأدبية، فيقع بحث ودراسة ذلك على عاتق الأدباء.

متى بدأ التكوين الأدبي للشعب الكردي، وكيف تطور إلى هذا اليوم؟ هذا أيضاً يعتبر موضوعاً لبحث آخر. لكن حسب الاثباتات التي وصلت إليها، هو أن الأدب الكردي أدب فلكوري ولكنه مهم جداً. أقول بأنه يتسم ببعض الجوانب الهامة كشعب نال تربية وتنشئة أفضل مما هي لدى الشعب التركي، وحتى الشعب العربي أيضاً. لقد تم امحاؤه سياسياً وتم إبادة وعيه التاريخي. لكن حتى الآن عندما نمعن النظر في بعض خصائص واقعه، نستطيع وبكل سهولة رؤية أنه يمتلك أدباً غنياً.

ما هي حقيقة الأدب لدى الشعب الكردي، كيف تكون على مر العصور، وأن كان هناك انعدام للأدب، فمن الذي مهد السبيل لذلك؟ إن كان البعض من المثقفين الكرد لديهم نشاطات في المجال الأدبي والتاريخي؛ بإمكانهم الوصول إلى إجراء تقييمات وبراهين مهمة من خلال تدقيق علمي ضمن الواقع السياسي والاجتماعي.

الموضوع الذي أرغب تناوله هنا والذي يدخل ضمن نطاق عملي هو؛ ما الذي يمكن قوله عن موضوع الرواية التي هي أحدث تعبير للأدب ـ والأدب الكردستاني والذي يدخل في مرحلة الثورة؟ أعتقد أن هذا الموضوع يُناقش فيما بين المثقفين.

هل يمكن أن يكون هناك أدب كردي؟ كيف ينبغي تأليف الرواية الكردية؟

مع الأسف، وقع المثقف الكردي من دون تحضيرات ضمن المرحلة الثورية في كردستان، ولأنه لم يتطور وفق بنيته العقلية، لذلك فهو مستاء وغاضب نوعاً ما. في الحقيقة، أن المثقف الموجود قد تشكل وفق مرحلة القومية البدائية وليس جاهزاً بعقليته تلك لمرحلة ثورة كبيرة كهذه، حيث أنه لا يملك ذرة من الأمل بأن كردستان باستطاعتها المقاومة، ولا بأنه سيوصل حرب التحرر الكبيرة الأخيرة إلى النصر. وقد حان الوقت لأن يعترفوا بذلك، وإلا لن تتحقق قفزة في العقل والقلب بأي شكل آخر. ينبغي أن أُقِر بكل صراحة، بأننا أيضاً لم نكن نتوقع ذلك. عندما أظهرنا هذه الحركة في البداية، كنا نقول عنها حركة التحرر الوطني الكردستاني الحديثة، ولكننا حينها كنا مجموعة صغيرة. قلنا لقد ولدت وخرجت من رحم أمها ولكن نموها وكبرها كان في موضع شك. بالرغم من ذلك كنا نقول إنها بذرة ستنمو وستخضر.

بالتالي ينبغي ألا يقول أي أحد، لماذا يعمد إلى انتقادنا؟ بداية أرى ضرورة أن ننتقد ذاتنا، لكن فيما بعد باتت الفرص كذلك. تحاملنا حقيقية، لأننا نواجه مرحلة تاريخية كهذه. فقد ولجت كردستان الآن في مرحلة انقلبت الأمور فيها رأساً على عقب، حتى إن لم نقبل أو لم نرغب برؤية ذلك. فأن شمالها، جنوبها، شرقها وغربها ضمن مرحلة تمتد لتاريخ مديد وتُعِد برامجها ومخططاتها من أجل المستقبل أيضاً بأفضل الأشكال.

ينبغي أن يتوجه المثقفون إلى الاعتراف الصحيح من الصميم من الآن وصاعداً. إن شاءوا الابتهاج أو الاستخفاف من ذلك، فقد باتت هناك ظاهرة وواقعة. على سبيل المثال؛ توجه “بينتر” إلى سجن ديار بكر وجعل من ذلك في الحال مسرحية مهمة على مستوى الساحة الدولية. أنتج هذا نتيجة زيارة دامت يومين أو ثلاثة.

هذا يعني أنه يوجد تكوين مهم جداً. المصدر هام وجدّي ولا حاجة لأي مثقف أن يتهمني بالمبالغة في الأمر. أعتقد أنهم ربما لن يأخذونني مأخذ الجد ولكنهم سيأخذون بينتر مأخذ الجد. يقوم بتلك الزيارة التي دامت ثلاثة أيام وهو لا يعرفنا كثيراً. لكنه استطاع أن يحقق انجازاً كهذا بملاحظاته في فترة وجيزة، لأنه فنان يقظ جداً وحساس.

نود إجراء تقييم تحت عنوان “الأدب وكردستان في مرحلة الثورة”. أعتقد أنه عندما كتب تولستوي “الحرب والسلام” كانت لديه طريقة وهي؛ حدثت الواقعة في مرحلة 1800 في روسيا. مع أنني لم أطالع الرواية، إلا إنني أذكر ذلك من أجل الذين يقرؤونها، كطريقة لتطبيقها على أوطانهم. تولستوي يعيش بنفسه الأماكن التي تخوض الحرب حتى النخاع وذلك بترسيخها في شخصيته ويتجول كي يعرف في أية وديان وقمم جرت فيها المعارك. ينعزل في المكتبات ويدرس كل ما يتعلق بذلك ويتحدث مع العديد من شخصيات المرحلة. فكما نعلم تظهر تلك الأعمال الكلاسيكية المعروفة على الصعيد العالمي. يجعل من حرب كهذه والتي استمرت لعدة أيام فقط عملاً كلاسيكياً، مع أن الحروب كثيرة في تاريخ روسيا. أما الحرب الموجودة في كردستان ليومنا الراهن هي أولى الحروب وآخرها بهذه الشمولية. هي حرب البقاء والفناء، وهي الحرب التي ستحدد مصير كل شيء.

لننظر إلى كافة برامج ومخططات 12 أيلول وممارسات الحرب الخاصة التي تطورت فيما بعد؛ إننا في مواجهة حملات تهجير للكرد وجهاً لوجه، وأخطر من التهجير الأرمني لمرات عديدة. وهذا يعود إلى المخطط المقرر من أعلى مستوى في هيئة الاركان العامة. وهذا المخطط منظم بممارسات عديمة الرحمة. فقد تم ترويع الأرمن قليلاً وبعد ذلك تم نفيهم (علماً إن كل هذا لم يدم غير عدة شهور برأيي). ولكن عندنا الفترة التي بدأت بقفزة 15 آب تدخل عامها الخامس عشر. كان الاستيعاب قد بدأ بعد 1982 ـ1983م بعد التحضيرات لعامين. وتقوم بإعداد مخططات هذه الحملة وفق مما قمنا نحن بتطويره ووصلنا إلى العام الثالث عشر لهذه الحرب.

يتم معايشة حالة تهجير مذهلة وهذا التهجير أقسى من كافة حملات التهجير التي شهدها التاريخ. آمل من كتّابنا التدقيق في هذه الظاهرة بكل تأكيد. وستظهر لوحات مثيرة انطلاقاً من التعليقات السياسية والتاريخية الطبيعية، ليس فقط من الناحية الأدبية. لا تذكروا “حملات التهجير الكردي” ببساطة مارينَ عليها مرار الكرام. إن التهجير الكردي يتجاوز حدود القتل الجماعي للأرمن واليهود. لكن مع الأسف، المثقفون الذين يتطلب منهم الاهتمام بمشاكل شعوبهم حتى التحرك لأخذ مكانهم في المقدمة، لن أقول عنهم بأن نظرتهم غير سليمة وعيونهم حُوْل ويتصرفون تماماً بعمى، وهذا أمر لا يمكن إيجاد أي مبرر له كثيراً.

لا أبالغ؛ أوضحوا تاريخ الحرب الخاصة، بماذا فُكِر من أجل شعبنا، وماذا تم عمله من أجله خلال الأعوام الخمسة عشرة الأخيرة هذه؟! حيث هناك هدم وإخلاء لأكثر من ثلاثة آلاف قرية، ويخرج البعض ويقول بأنها من أعمال الكونتر كريلا فقط! كلا؛ بل توجد حرب شاملة.

كافة الأحزاب السياسية اليسارية منها واليمينية وحتى الهيئة العسكرية والمدنية، يعملون يداً بيد. إنها عملية مخططة تستهدف انتزاع الكرد من أراضيهم بشكل تام. وقد قاموا بتوطين الترك المهاجرين في هذه الأراضي وحاولوا تطبيق ذلك ابتداءً من الترك “الآهيسكا ” (اتراك قفقاسيا) وحتى ترك البلغار، وذلك خطوة بخطوة. وتستمر تلك الفترة بأقصى سرعتها. بالمقابل، نمتلك نحن أيضاً مقاومة عنيدة في مواجهة هذا. وهي مستوى المقاومة في السجون والجبال وأبعاده في الانتفاضات وخارج الوطن. إنها مقاومة عارمة لا تصدق!

من الضروري التدقيق والبحث في كل مقاومة على حدة. أنني أوصي أن يتم التدقيق من الناحية السياسية أولاً. وبدون القيام بذلك فإنه من غير الممكن استيعاب وإدراك الكرد وكردستان والأرض. وبدون ذلك؛ دع جانباً أن يكون كمثقف، حتى أنه لا يمكن أن يغدو وطنياً بسيطاً. وأن كان يرغب في أن يكون في موقع يجاري ويوازي دور المثقف، فإنه مرغم على الأقل على رؤية ما يجري حوله. ففرد مثل تولستوي يقوم بتدقيق عظيم لتاريخ الحرب ويقوم بتحليل اجتماعي مدهش لتلك المرحلة ويُظهر أنماطها. لقد قام بتدقيق النموذج الجديد والقديم فيها بأبعاد لا تصدق.

لاقى كتاب “الأم” لـ”غوركي” والنماذج المثيرة لـ”تولستوي” اهتماماً بالغاً. لكن عندنا وفي مثل تلك السنوات، تعتبر كردستان وطناً منسياً، وطناً بلا اسم. الوطن الذي تم سحقه وتسويته مع الأرض. حتى أنه أسوأ من الخراب. إنه الوطن الذي يحاول وينتظر كل فرد فيه أية فرصة للهروب منه. فمن ناحية أنه على وشك الموت، ومن ناحية أخرى يتم تقديم فتات الحياة الرأسمالية البسيطة له. في البداية يُرسل عائلته، ويقول: “كم هي الحياة جميلة هنا”، وبعدها يمهد الطريق حتى النهاية لجوازات السفر ويُشكّل شبكات خاصة وذلك تحت مراقبة البوليس. وبالتالي يضع الجدات والأجداد الذين بلغوا السبعين من العمر في طريق السفر ويترك تلك القرية خاوية بدون حياة. كذلك هناك القرى التي أخليت طوعاً. وإن تم إفراغ ثلاث آلاف قرية بالقوة، فقد تم إفراغ عدة آلاف أخرى طوعياً. وجميعها من آثار الحرب الخاصة. وبعد كل هذا؛ إن لم يأخذ المثقف كافة هذه الظواهر بعين الاعتبار، دعك من القول عنه بأنه مثقف، حتى لن نقول عنه مجرد إنسان عادي يهتم بشعبه ووطنه.

علينا استذكار السيد اسماعيل بيشكجي الذي قضى عمره في السجون بالرغم من إنه لم يعش واقعنا بشكل متداخل، لكنه اهتم بذلك بشرف كرجل علم. وكلما أحسّ بالحاجة إلى الكتابة قبل بالسجن أيضاً بكل رغبته. ومازال مستمراً بأحاديثه بكل جرأة. وهناك العديد من الأمور المهمة جداً، والتي ينبغي على المثقف الكردي أن يتعلمها منه.

مع الأسف، مثلما لم يرَ مثقفونا الكرد أي شيء في فترة الهدم والحرق في وطنهم، فأنهم ما زالوا حتى الآن يشغلون عقولهم بأمور غريبة مثل “ما هي نواقص PKK؟” حتى أنهم لا يرغبون رؤية عددهم، حيث يقولون “يا ترى كم هو مؤذٍ إرهاب PKK؟، إنه بات يشكل خطراً” لا يرغبون بتحليل عدوهم الذي نهب وسلب وطنهم لمدة ألف عام. وكيف يمكن التعبير وإيضاح هذا الوضع!.

كل هذا يعني، أنه تم الاستيلاء على بنيتهم العقلية وسلب شعورهم وعاطفتهم من قبل الاستعمار. المعضلة الأساسية تكمن هنا الآن. وهو أنه تم الاستيلاء على عقل وقلب الذين يُعرفون كمثقفين. أجل، أنه الاستيلاء على القلب والعقل. أي تم شراء العقل والروح بأسلوب خاص مثير جداً من قبل الاستعمار التركي. أما المتبقون، حسب رأيي، فهم في وضع تقليدي بسيط لهذا. إن الاحتلال التركي أخطر حتى من الاحتلال العربي والفارسي أيضاً. إن الاستيلاء الكبير الذي قام به الاستعمار التركي بدون رحمة هو في العقل والقلب. لهذا السبب لا يقتربون من حقيقتهم. لأنه كي يمكن الاقتراب من هذه الحقيقة، يتطلب ذلك العقل والقلب. ويمكن تثبيت هذه الحقائق من أجل المثقف.

إنك مرغم على تقييم هذه الممارسة العديمة الرحمة المطبقة في هذا الوطن. وإلا إنك لن تصبح بأي شكل من الأشكال مثقفاً لهذا الشعب والوطن والارض. ستعرف تاريخك!‍‍‍ إن كانت هناك صرخة في قلبك، حاول أن تعبر عنها بأسلوب الشعر، وإن كنت رجل علم؛ فقم بالتدقيق والبحث. وأن كنت ترغب بالتعمق أكثر فاكتب روايتها،‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‌‌ ولكن لا يوجد هذا الآن.

إن الذي يتصوّر ويتخيّل عدوه أكثر هو الأديب. حيث يقول: “إن هذا العدو، عندما هدم القرى في الوطن بهذا الشكل، قتل هذا العدد من الناس، حيث أن المثقف لا يقوم بتقييم عام كهذا ولا ينبض قلبه من أجل الشعب. وإنني لا استصغر نضال السود الافريقيين، إذ أن مثقفينا يتألمون من أجلهم، ولكنهم لا يعرفون التألم من أجل شعبهم. فكروا، حيث أن العديد من الجوانب الجميلة لأوروبا تسببت في إغوائهم ولكنهم لا يفكرون بأنه من الممكن أن تتشكل الأمور الجميلة أيضاً في وطنهم.

لا يستطيع أن يصبح الإنسان مثقفاً أو مبدعاً للجمال بهذا الشكل. ولا داعي بأن يقوموا بالدناءة والقبح بقولهم: “أن APO ديكتاتوري، إنه يتحامل علينا” بين الحين والآخر. إنني أكن الاحترام لهم وأدعوهم لأن يقوموا بالعمل الذي يسعى إليه كافة المثقفين والأدباء لدى الأمم المعاصرة. لماذا يغضبون؟ اسئلتي واضحة جداً ولا حاجة للتهرب منها.

نود البدء بمرحلة الأدب الجاد، وتقديم كافة المساعدات المادية والمعنوية للأدباء دون مقابل. بات عليهم التدقيق والبحث في PKK. لقد بدأ كافة أدباء العالم بالتدقيق في وضعنا. ويأتي إلينا العديد من الكتّاب والمثقفين باسم الدول مثل ألمانيا، بريطانيا، فرنسا وأمريكا. حتى أنني لم أعطهم موعداً، وذكرت لهم بأنني لا أملك الوقت. كانوا يقولون: “إننا نرغب بتأليف كتاب”. وظهر وضع يلفت الاهتمام لهذه الدرجة. أما مثقفونا فإنهم ما زالوا يقتربون بنمط مهمل تماماً على شكل “إن PKK إثم وينبغي تجنبه”.

لقد بدأ العرب أيضاً يبدون الاهتمام بنا في الفترات الأخيرة. ويرون PKK مؤثراً جداً، لكن مثقفينا ما زالوا غير مستيقظين. المسألة هي أنه مهما كانت لديهم نواقص وسلبيات فأن أول من كتب عنّا من الكتّاب هم من الترك. لكن مثقفينا ما زالوا يقولون: “أنه تابو (اعتقاد ديني مقدس لا يسمح لمسه)، لا تقتربون منه”، لكن في الأساس هم الضعفاء وأن هذا الاقتراب يضعفهم أكثر. لا تتعجبوا إن قلت أن هناك خزينة باسم الأدب في وسط التطورات الكبيرة التي مهد PKK السبيل أمامها، وينبغي ألا تظنوا هذا بأنه مبالغة.

مثلاً تعتبر حادثة زينب كناجي وأمثالها، أكبر حادثة يمكن أن تكتب عنها الروايات في يومنا الرهن. كذلك أمثال فرهاد قورتاي بالإضافة إلى أمثال كمال بير وخيري دورموش في عمليتهم للإضراب عن الطعام حتى الموت. جميعهم مواضيع لأدب عظيم وثري. وفي نفس الوقت هناك مقاومات وحدات الكريلا البارزة جداً، وأُبديتْ مقاومات لا تصدق في كافة الجبال. كل هذا يعطي عنفواناً وحماساً كبيرين. هناك حوادث وحقائق جابهت الموت لدرجة أنك لأية درجة شئت، بإمكانك تأليف القصص عنها، حتى أنه لا يمكنك الانتهاء منها. وإن كان لديك قابلية وإمكانات بمقدورك أن تخلق منها رواية. تحول المجتمع الكردي لدرجة كبيرة، ومن الممكن تقييم مستوانا التحليلي ضمن PKK كنشاط أدبي غني جداً. ويمكن رؤية هذه التحليلات كنوع من الرواية الأولية أو ليعتبر ذلك كمسودة لرواية. تدفعني التحليلات التي أجريتها مؤخراً إلى الأدب بمقاييس لا تصدق. حتى أنني وصلت إلى تصنيف النموذج الكردي. وإنني لم أصل لهذا المستوى من تلقاء نفسي. إنما أتخذ مكاني ضمن عدمية رحمة الحرب هذه بشكل غريب. فقد عشنا مراحل لدرجة أقوله فيها، كيف أحلل هذا الإنسان، لأنه يائس ولا يملك سبيلاً سوى الموت. ليس الحياة، إنما الموت ببساطة، هذا ما يمكنه القيام به. طبعاً يخلق هذا تأثيراً يُدهش له الإنسان. وإن هذه الحقيقة متناقضة مع طموحاتي في الحياة. وهنا كيف خرج هذا النموذج من الموت؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ أيضاً لا أصف هذا النموذج بأنه نموذج الموت فقط، بل أنعته بالنموذج المنهزم وعديم الثقة والأمل! وكما ترون، دفعتني هذه الفكرة إلى التمعن في النموذج الكردي الكلاسيكي. إضافة إلى ذلك أرى ذاك النموذج قبيحاً جداً، وأخوض حرب أعصاب مع النموذج الذي في مواجهتي. فهو لا يتوافق مع الفن العسكري ولا مع الفن السياسي والدبلوماسي، إحدى أشكال علاقته الأساسية؛ هي العائلة وعلاقة الرجل ـ المرأة. حتى أنه استُهلك وانتهى في ذلك أيضاً. هذه الدهشة دفعتني إلى البحث والتدقيق العميق مثل عالم نفساني.

بالرغم من كل ذلك، سيقولون “لقد بدأ بمدح ذاته”. كلا، وصلت إلى درجة أنني مرغم على أن أرى بداية تكون الأدب. في الحقيقة أصبحت جهودي تدريجياً تلعب دور الطليعي للأدب الثوري. تتجه لغتي نحو الرواية من ناحية، ومن ناحية أخرى تتحول إلى لغة للشعر. والثورة بحد ذاتها تبغي هذه اللغة ولست أنا من يريد ذلك. حتى أنه ليس لدي قابلية من هذا النوع. لكن كلما تطورت الحوادث والوقائع لا أتحكم بنفسي. إنني أرغب في الحياة.

أجل، ينبغي أن أصبح قوة الحل من أجل الحياة. وهذا يكبر ويتعاظم مثل الكرة الثلجية ويستمر. سيتقدم هذا كثيراً. إن أجرينا تقييماً لهذا الوضع من ناحية الأدب والرواية، إنها لفرصة كبيرة، وإن كانت هناك امكانيات وقابلية لدى الكرد، بمقدورهم إظهارها كلياً. لقد تم تقديم مصدر غني من أجل المثقف والأديب. وهو مصدر كبير جداً لأجل الشعر والقصة والحوار والمقابلات والسينما والمسرح وحتى للأشكال الكلاسيكية. هناك حالة تدفع كل شيء إلى الحركة والتطور. حيث أن الموسيقا والأغاني والدبكات الشعبية تمتاز بحيوية مدهشة.

هناك سبب لعدم تجرؤ مثقفينا للقيام بهذا وهو مرتبط بالاستيلاء على العقل والقلب، والذي وقع عليهم كوقع  الصاعقة، ومازالوا يعيشون دهشتها وقد أعمت عيونهم ولا يعون ماهية حركة التنوير. حيث أن المثقف يعني التوعية والتنوير، لكن مع الأسف أجبر على قول هذا بأنه أعمى. بلا ريب ربما ستفتح عيونهم بعد تأثير هذه الصدمة وبالتالي سيحقق تطوراً لأدب المرحلة الجديدة هذه. ويمكن خطو بعض الخطوات من أجل الرواية أيضاً.

يتطلب من مثقفينا وأدباءنا أن يحللوا ويقيّموا هذه المرحلة بشكل علمي بكل تأكيد. فبدونها لن يستطيعوا القيام بالأدب الكردي أو علمه. عندما يأتي الحديث على الرواية، فقد كتبت كما تعلمون بعض تلك الكتابات التي تحدثنا عنها حتى الآن. وهي ذات مستوى كلاسيكي. ولأنها لا تصبح جواباً لآمال ومطاليب المجتمع، فسواء كتبتها باللغة التركية أو الكردية أو باللهجة  الصورانية أو الكرمانجية، فإنها لا تغدو قوة مؤثرة وجذابة. وسبب ذلك يعود إلى عدم إعطاء الجواب لمشاكل المرحلة الأساسية. وإلا ليس لاتهام الشعب أي معنى.

لا داعي للتقييمات الخاطئة من قبل الذين لا يستطيعون استيعابنا ـ علماً إن هذا يشبه تسلل المصطلحات لمرحلة ما ـ ما أذكره يحتوي على معاني كبيرة جداً من ناحية، ومن ناحية أخرى علمية أيضاً، لدرجة بمقدور كل فرد أن يقرأها، ويستطيع مطالعتها عبر النشرات اليومية ورؤيتها على أكمل وجه خلال التلفاز. فعلى الرغم من أنهم لم يطوروا لغتهم الكردية إلا أن الملايين يصغون إليه. هذا يعني، أن لمست الجوهر، فإنه سيكون لك المستمعين والمشاهدين الكثيرين. بهذه المناسبة أنوه وبإصرار على أن يكون التنوير بهذا الشكل الحقيقي.

عاطفة الثورة!

بلا شك، عند الحديث عن نمط اللغة والتعبير للثورة، لا أريد أن يُفهم ما إذا كانت كردية أو تركية. أننا نقترب من هذه المسألة بشمولية أكبر. عندما يقال ما هي مشكلة الأدب الكردي؟ سأتطرق إلى هذا باختصار. لكن ما أود فهمه من نمط اللغة والتعبير هو؛ أنه لا يستطيع أن يصبح قلب الثورة، هنا لا بد أن يكون للثورة نمط جريء لها.

القاعدة لا تستطيع أن تصل في الحرب إلى عمق العاطفة. إذ تتغذى القلوب نوعاً ما من الثقافة والأدب والشعر والغناء والعادات والتقاليد. وشباب المرحلة منقطعون عن كل هذه الخصائص، فهم يعايشون المجزرة الاستعمارية بشكل مذهل. لا أوضح هذا لاتهامهم. بل لأنه تم معايشة المجزرة بشكل كبير وفظيع. إن شعرهم هو شعر الرياء. والرواية التي يقرؤونها، ما هي إلا تطوير لاختلاط العقل أو أن مستواهم الثقافي لا يفعل شيئاً سوى اختلاط العقل. شعورهم وأحاسيسهم القلبية والعاطفية تمثل الخيانة. إذ علينا تناول المشكلة هكذا وبعمق كبير.

أي قلب سنضمه للإنسان الكردي؟ كيف ستظهر حساسية العاطفة وعمقها؟ تعتبر كل واحدة منها موضوعاً بحد ذاتها. بلا شك يمكن إضافة العين وقابلية المشاهدة والاصغاء الجيد إلى هذه المواضيع. هذه كلها مواضيع للأدب والفن، لكن في البداية تتطلب القلوب التي ستفهم عواطفنا وأحاسيسنا.