مجلة أدبية ثقافية فصلية تصدر باللغتين العربية والكردية في شمال وشرق سوريا

رائعة ابن طفيل: حيّ بن يقظان – جميلة محمـَّد

جميلة محمد

 

 

 

 

 

 

تعدّ قصة (حيّ بن يقظان) لابن طُفيل الأندلسي من أهم الآثار الفكرية والأدبية العربية, وأكثرها تأثيراً منذ القرن الرابع عشر الميلادي وحتى اليوم،‏ إذ أنها بلغت درجة رفيعة من المعرفة الإنسانية؛ وتميَّزت بالمنطق الفلسفي العميق والرؤية الاستشرافية المستندة إلى العقل والمنطق.

يصبُّ ابن طُفيل في عمله خلاصة آراءه وتصوراته حول العلاقة ما بين الدين والفلسفة، وبين العقل والنقل، محاولاً الكشف عن القواسم المشتركة بينها. فيقدِّم بطل قصته وهو يمارس الفكر والاستنتاج، اللذين يقودانه إلى معرفة الحقائق الوجودية الراسخة، مستخدماً الفطرة والتأمل والتجربة من الارتقاء بالمعرفة من الحَواس إلى المعرفة العقلية القائمة على المعطيات، والوصول بالنهاية إلى الحجج الدامغة بوجود خالقٍ ومدبِّر للكون هو الله (جلَّ جلاله) يسيِّر كل شيء فيه، من أصغر ذرة إلى أكبر الكواكب.

من هو ابن طفيل:

أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي, ولد في (وادي آش) من أعمال غرناطة، ما بين عامي /495- 505/ هجرية. اشتُهر بالعلم والمعرفة وبالاهتمام بالأدب وعلم الكلام، وكان فيلسوفاً ومفكراً, وفقيهاً، وعارفاً بالرياضيات والفلك والطب الإسلامي. وقد عُرِف بمكانته الكبيرة عند السلطان (أبو يعقوب يوسف القيسي) وتقلَّد الوزارة في إمارته. ويذكر أن ابن طفيل تأثَّر ببعض العلماء العرب البارزين، كما تأثر به مجموعة كبيرة من المفكرين والأدباء. توفي بمدينة مراكش عام (581هـ/1185م) ودفن فيها.

ملخص القصة:

يضع ابن طفيل فرضيتين رمزيتين لأصل حيّ بن يقظان، يرى في الأولى أنه توّلد من الطين بلا أم ولا أب، بينما يرى في الافتراض الثاني، وهو الذي يعتمده في تصوّره للقصة، أن حيّ طفل لأبوين حقيقيين.. الأم هي شقيقة ملك إحدى جزر الهند, والأب قريب لها اسمه يقظان، تزوجها سرّاً, ولما وضعت المرأة طفلها خشيت أن ينكشف سرَّها، فجعلت الطفل في تابوت وألقته في البحر, فاحتملته الأمواج حتى ألقته على ضفاف (الوقواق) وهي جزيرة أسطورية ورد ذكرها في بعض المصادر القديمة. وصادف أن مرّت في الموضع الذي استقر فيه التابوت غزالة كانت تبحث عن وليدها المفقود وسمعت بكاء الطفل داخل التابوت، فقامت بإرضاع الوليد، وحضنته حتى كبر وشبَّ عن الطوق.

وقد تدرج في المشي وأخذ يحكي أصوات الظباء، ويقلّد أصوات الطيور، ويهتدي إلى مثل أفعال الحيّوانات بتقليد غرائزها. ليكتشف لاحقاً بالملاحظة والتأمل والتفكير؛ مذهباً فلسفياً يوضّح به سائر حقائق الطبيعة. يقول الكاتب أ.د. (علي أسعد وطفة): (عاش حيّ وترعرع في الجزيرة بين الطيور والحيّوانات وبدأ يكتشف نفسه والعالم الذي حوله عن طريق التأمل والتفكير، وسرعان ما بدأ يطرح الأسئلة الفلسفية الكبرى التي تتعلق بالمعقولات وبأصل الوجود، وفي غمرة تأملاته العقلية واستغراقه الكامل في النظر والتفكير لاح له العالم الروحاني بصوره التي لا تدرك بالحس، بل تقبل ذلك بالنظر العقلي والحدس. واستطاع حيّ بمحض فطرته وصدق طويته اكتشاف العلاقة بين العلة والمعلول والفاعل والمفعول بين الوجود وواجب الوجود، وبرهن على أن الكون واحد في الحقيقة.)

ويتابع الكاتب: (وقد تبين له بالحجة العقلية الدامغة أن لكل حركة محرّك ولكل مخلوق خالق، وأن الخالق هو رب العزة خالق الخلق وباعث الرزق وهو الله رب العالمين سبحانه وتعالى.. وذهب به التأمل وأخذته الفطنة الربانية إلى القول بحدوث العالم بعد أن لم يكن، وأن الله أخرجه إلى الوجود وأنه هو القديم الأزل الذي لم يزل.‏ وهذا يعني أن الله وهب الإنسان عقلاً وأن عقل الإنسان قادر على الكشف، وألا تناقض هنا ما بين الحقيقة الدينية والحقيقة الإيمانية، وأن الدين والعقل يتكاملان في الكشف عن الله وعن خلق الوجود.‏)

يمرُّ (حيّ) خلال رحلته المعرفية الطويلة بأطوار ومراحل عدَّة، تمثّل سيرة الإنسان الذي نشأ منعزلاً عن الناس وعاش متأثراً بالحيوانات من حوله، يليها لقائه بالإنسان، هي أولى معرفة له بوجود بني البشر. إذ يأتي إلى الجزيرة رجل يدعى (أبسال) من أهل ملة الإيمان، وقد حدَّث أبسال ابن يقظان عن العلم والشريعة بعد أن علمه الكلام، فوجد الأخير في الشريعة ما اهتدى إليه بالفطرة، وكان قد بلغ الخمسين من العمر.

بالمقابل تعرّف أبسال إلى طريقة حيّ بالكشف عن الحقائق الكونية والوصول إلى المعرفة. يتفق حيّ مع أبسال أن يذهبا معاً إلى الجزيرة المأهولة التي ينتمي لها الأخير، بهدف دعوة أهلها وهدايتهم إلى طريق الحقّ، لكن الناس لم يفهموا أقوال حيّ، بل ونفروا منه، فما كان منه إلا أن عاد مع رفيقه إلى الجزيرة ليعيشا فيها زاهدين حتى أتاهما اليقين.

الأطوار التي تمرُّ بها القصة:

الطور الأول: يبدأ برضاعة الظبية لـ (حيّ) وتعهّدها له بالرعاية والعطف, حتى عمر السابعة, إذ يكون قد تعلّم محاكاة الحيوانات وتقليد حركاتها وأصواتها, وتعلّم سَتر عورته، واستعمال العصا للدفاع عن نفسه.

الطور الثاني: يبدأ بموت الظبية ومحاولته معرفة السبب, فيقوم بتشريح جثّتها بحثاً عن مركز الحياة، ليدرك إثر ذلك أن شيء ما قد ارتحل فيها, وأن جسدها ما هو إلا آلة. كما يتعلَّم حيّ كيف يواري جسد الظبية مثلما فعل الغراب. وقد سُمي هذا الطور؛ بطور اكتشاف المعرفة عن طريق الحَواس والتجربة.

الطور الثالث: يبدأ باكتشاف حيّ للنار وتعرّفه إلى فائدتها وطرق استخدامها، وكيفية مقارنة هذه النار وحرارتها مع حرارة الحيّوان الحيّ. كما يأخذ في هذا الطور بتشريح الحيوانات والبحث عن ترتيب أعضائها. ليتوصّل إلى استنتاجاته الهامة حول الروح الحيوانـي في الجسم. كما يحقِّق تقدماً في مجال التفكير والتأمل في قضايا الكون.

الطور الرابع: يتضمن اكتشافاته الخاصة بوحدة الروح والمادة، والعلاقة بين الأخيرة وبين الصورة، وفيه يتوصل حيّ إلى إدراك وحدة الروح في الجسم, وإلى اتفاق مادة الكائنات واختلافها في الصور. كما يستنتج الخصائص المشتركة للحيوانات والنباتات والجمادات, ويرى حقيقة وجود شيء زائد على المعنى الجسمي, هو ما ظلَّ يبحث عنه. كما يشغل فكر (ابن يقظان) موضوعات الأفلاك والأجرام والنجوم، وقضايا العالم؛ أصله وقدمه وحدوثه.

الطور الخامس: يرصد فيه (حيّ) الفضاء ويتطلّع إلى ما فيه من أجسام, فيستنتج أن الفلك وما يحتويه شيء واحد, ذلك قبل أن يقارن بين الكواكب والحيوانات من حيث البنية. ثم ينتقل إلى التفكر في العالم بجملته.. فيتوصل إلى حقيقة الخالق؛ فهو الوجود والكمال والبهاء والقدرة والعلم.

الطور السادس: يبدأ باستنتاجاته العقلية, وأولها أنّ النفس منفصلة عن الجسد ومختلفة عنه  بالمصير, ثم يقف حيّ بفضل تأملاته ومشاهداته الدائمة وحالاته الإشراقية المحيطة بالسكون على سرّ السعادة. وفي حاله هذه لم يكن يغيب عنه الموجود الأول الخالق الحقّ. ويكون قد بلغ من العمر الخامسة والثلاثين.

الطور السابع: يدرك (حيّ بن يقظان) في هذه المرحلة، وهي العليا والأخيرة أن سعادته في دوام مشاهدته للموجود الواجب الوجود، وقد غابت عنه ذاته وفنيت. أي أنه في هذا الطور الراقي الذي وصل إليه قد تعمّق في التعرّف على الذات الإلهية، وبات يقضي يومه في مغارته لا يغادرها إلا للبحث عن طعامه. وقد وصل به العمر إلى الخمسين.

من خصائص القصة:  

بالرغم من استخدم ابن طفيل للسرد طريقاً للتعبير عن أفكاره، إلا أنه أعطى قصته الزاخرة بالمعاني الفلسفية الراقية شكلاً فنياً في غاية الروعة. إذ امتازت بالأسلوب الأدبي الأخّاذ، وامتلكت عناصر التشويق والإثارة والجاذبية، ناهيك عن اللغة الأدبية الرصينة التي استخدمها. وقد كان للخيال دورٌ كبير في القصة, فهو -بالأساس- الذي يقوم عليه المكان والأحداث. كما أنه استخدم في السرد أسلوباً بسيطاً, اعتمد فيه الألفاظ السهلة المألوفة مع شيء من الرمز والإيحاء. واستخدم جملاً مترابطة تنأى عن التعقيد بالعموم. وقد كان للقرآن الكريم وجود واضح في أحداث القصة, إذ استمد من قصة أهل الكهف، واقتبـس من قصـة قابيل وهابيل، ومن سيرة النبي موسى (عليه السلام). وأورد (ابن طفيل) جملة من آي الذكر الحكيم, منها ما أورده بحرفيته، ومنها ما أخذ معناه وتصرّف في صياغته. كما اقتبس الكثير من المفردات والألفاظ والتعابير القرآنية، مما يبين تأثُّره البالغ بالقرآن الكريم. كما أن ابن طفيل استقى من الحديث الشريف أيضاً, إمّا رواية عن الرسول (e) أو استشهاداً به ضمن سياق الكلام. إلى جانب أنه استمد من التاريخ قبساً، واستخدم بعضاً من الرموز والأساطير القديمة في إبداع نادرته الأدبية أحايين أخرى.

تأثير (حيّ بن يقظان) في الأدب والفن:  

حظيت قصة (حيّ ابن يقظان) بالاهتمام والعناية البالغتين، فتناولها المفكرين والعلماء والفلاسفة بالقراءة والتحليل، وأحاطوها بالبحث والدراسة. وكان لها تأثير كبير على الأدباء والكتّاب بخاصة، بعد أن تُرجمت إلى العديد من لغات العالم، فألهمت الكثيرين منهم حول العالم، لينجسوا متأثرين بهذه القصة مجموعة من الآثار الأدبية.

من أبرز القصص العالمية المقتبسة منها، قصة (روبنسون كروزو) الشهيرة للإنكليزي دانييل دوفو، عام 1719، وقد وقف (غوتييه) الذي ترجم (حيّ ابن يقظان) إلى الفرنسية عند حدّ افتراض اطلاع دوفو عليها. إضافة إلى اقتباسات الكثيرين من منتجي الأعمال السينمائية الذين تأثروا بها وصنعوا على منوالها بعض الأفلام والمغامرات الكرتونية والمسلسلات التلفزيونية التي تناولت الشخصية في قوالب درامية مختلفة، لعل أهمها التجربة السينمائية الأمريكية، ومجموعة القصص للشخصية الخيالية “طرزان”.. الإنسان الذي عاش في أدغال إفريقية وتربّى بين حيواناتها قبل أن يلاقيه مستكشفون أوروبيون.

كما عدَّت قصة (حيّ بن يقظان) تجربة فكرية كان لها بالغ التأثير في الأدب العربي بشكل خاص، حتى أن كثيراً من النقّاد اعتبروها بذرة أولية للقصة العربية، وبداية حقيقية أسَّست لأدب الخيال العلمي عند العرب. وعن رائعة ابن طفيل وأهمية الطبيعة يقول أ.د. “علي أسعد وطفة”: (إن ابن طفيل الأندلسي في مأثرته الخالدة “حيّ بن يقظان” يمثّل الأب الروحيّ للنزعة الطبيعية في التربية، ورائداً لها في القرن الرابع عشر.. ويعد أول من قدّم للإنسانية نسقاً فكرياً أدبياً فلسفياً يستعرض فيه أهمية الطبيعة ودورها في بناء العقل والإنسان وتشكيل الرؤى الشمولية للوجود والكون). ويتطرق الكاتب إلى الجانب التربوي بقوله: (لا تقل المعاني التربوية في أهميتها عن المعاني الفلسفية في القصة. فالقصة تتضمن فيضاً ساحراً من المعاني والمواقف التربوية. ويمكن القول في هذا الصدد بأن قصة “حيّ بن يقظان” تنطوي على نظرية تربوية متكاملة الأنساق في مستوى المنهج والطريقة والتطبيق.)

لقد سعى (ابن طفيل) في تجربته الخالدة، وعبر الفنّ في شكله القصصي؛ سعى إلى تلخيص رحلة المعرفة الإنسانية كما رآها، وسعى في الوقت نفسه إلى الكشف عن قدرات الإنسان وإمكانياته المعرفية والحسية للوصول إلى المعرفة واكتشاف أسرار الحياة والكون، بفعل الملاحظة والتجربة والتأمل الواعي، أي قدرة الإنسان على إدراك المعرفة غير المتصلة بالحَواس واكتسابها عن طريق الحدس الإنساني. وبرزت التجربة من جهة أخرى كنتاج أدبي بارع، يراعي متطلبات العمل الأدبي، ويستوفي مقوماته في قالب قصصي يحمل الكثير من الروعة. لتكون هذه التجربة مزيجاً رائعاً من الفكر الفلسفي المستند إلى العلم، ونتاجاً أدبياً يفيض بالجمالية.

                                                 

 

المراجع:

  • الأسبوع الأدبـي: جريدة أسبوعية؛ تصدر عن اتحاد الكتّـاب العرب بدمشق، العدد /893/ تاريـخ 31/1/2004. مقالة: (النزعة الطبيعية في التربية عند ابن طفيل الأندلسي، حيّ بن يقظان رائعـة الفلسفة والتربية.) أ.د. علي أسعد وطفة.
  • قصة: حيّ بن يقظان- ابن طفيل, تقديم وإخراج: عمر سعيدان, دار الحوار للنشر والتوزيع؛ اللاذقية ط 2 سنة 1988
  • (الأبعاد الفلسفية في قصة حيّ بن يقظان عند ابن طفيل)، بقلم الكاتب: أنور أبو بندورة. موقع (ديـوان العرب)، يعنى بالثقافة والفكر والأدب:http://www.diwanalarab.com/ تاريخ: حزيران/ يونيو 2006.