الثقافة ودور المثقف – جمعة الحيدر

 

جمعة الحيدر

 

بداية وقبل كل شيء لابد أن ندرك أو نعلم بأنّ المثقّف هو إنسان يعيش في مجتمعه، فهو ابن البيئة التي نشأ فيها، شأنه شأن أي إنسان له حقوق وعليه واجبات.

وإذا تطرقنا إلى تعريف الثّقافة والمثقف، فإننا سنجد أنّ للمثقّف دوره في الحياة، دور يميزه عن غيره من أفراد المجتمع.

فإذا عرّفنا الثّقافة بأنها: مجموعة من المعارف والعلوم والعادات والتقاليد التي تتفق عليها الجماعات من الناس، والمثقّف هو ذلك الشخص الذي يقوم بالبحث عن تلك المعارف والعلوم والبحث عن الحقائق ووضعها ضمن معايير مباشرة، وأطر معيّنة بغية تحقيق مصالح مجتمعه الذي يعيش فيه، وذلك بهدف كشف الحقائق وتوجيه الجميع نحو الطرق التي تؤدي إلى رفع مستوى الفرد لتحقيق حياة أفضل، ولكي يكتمل دوره يجب عليه الالتزام بالقضايا التي تهم المجتمع الذي يعيش فيه، وعليه أن يدخل مباشرة أو بشكل مباشر في المجتمع وقضاياه وطموحاته وهمومه، ويطرح طرق العلاج لذلك.

أمّا شخصيّة المثقّف: فهي تلك الشخصيّة التي تبنى شيئاً فشيئاً، فتنمو وتكبر، وذلك بعد أن يدرك المثقف بأنه لابد من الولوج إلى معترك الوعي لقضايا مجتمعه، علماً بأنه شخصيّته لن تبنى بمجرد انتمائه إلى طبقة محددة من الأدباء الذين يكتبون الشعر أو القصة أو مجرد كتابة أي صنف من الأصناف الأدبيّة.

فشخصيّة المثقّف هي التي تتمتع بقدرات كبيرة على التأثير والتغيير في المجتمع أو البيئة التي يعيشها، وتبعاً للقيم والمبادئ التي آمن بها، وبدأ يتحرك في مسارها، وذلك من خلال العلاقة التي تربطه بمن حوله، وما يقوم به من نشاطات.

فمن هنا يجب على المثقّف أن لا يعبّر عن عجزه عن التغيير، بل عليه أن يكون على استعداد للدخول في معركة التغيير، وأن يخرج منها منتصراً، وعليه أن يحقق هويته من خلال ما يقوم به من انجاز ثقافي مؤثر في محيطه ومجتمعه.

ونحن نستطيع القول بأنّ المثقّف: هو ذاك الذي يدرك بعمق ما يدور حوله، إن على الصعيد الوطني، أو على الصعيد الإنساني العام، وهو المتطلع بأدواته على الدوام نحو مستقبل تسوده قيم الحق والجمال والخير، وذلك من خلال نظرتنا للثقافة على أنها القراءة الدقيقة في واقع الإنسان، وحلم في حياة أفضل، وممارسة جديّة عبر من يمتلك وسائل التعبير لتحقيق الحلم، ومن ثم الانتقال إلى حلم آخر يقوم على الأول ويتجاوزه، حلم يرسمه المثقّف المتمكن من أدواته وحريته .

أمّا مهام ذلك الإنسان الذي يملك قدراً كبيراً من المعرفة، وهو القادر على التعبير عن آراء الناس وأفكارهم وطموحاتهم ومعالجة مشكلاتهم بفكره، وباستطاعته أن يصل  إلى عقولهم، فعليه أن يقرأ الواقع قراءة صحيحة ودقيقة، وأن يقترح الحلول المناسبة لذلك، ويرسم الطريق لمعالجة الأمور الحياتيّة اليوميّة، وأن يعمق الإحساس بالحاجة إلى الطموح للوصول إلى ما هو أفضل، إن كان على الصعيد الوطني أو الإنساني أو الاجتماعي، فعليه أن يعمل على نشر ثقافته، ويبث الدّافعيّة في أوساط الجماهير، وتعميق الشعور بالحاجة إلى التجديد في المجتمع مع تعميق الحس النقدي لدى المواطنين، ويدعو إلى تبصير أفراد المجتمع بالحقوق والواجبات، وتسليحهم بالعلم والمعرفة كي يتمكنوا من التفريق بين الخطأ والصواب، وتوعية الناس بكيفية المطالبة بحقوقهم في إطار القانون والتشريع، وتبني قضايا أمته وحمل همومها ونشر الوعي الجماهيري، والعمل على تعميق الحس الوطني لدى المواطن للحفاظ على ثقافته وهويته والابتعاد عن التشهير والنقد الهدّام، وأن يكون على قدر المسؤوليّة الملقاة على عاتقه.

وهنا لابد من الإشارة إلى أنّه يجب على شرائح المجتمع أن تكون مستعدة لملاقاة رؤية المثقّف وتلقفها، وأن تكون على استعداد لتقبل آرائه وأفكاره، ومدركة لدوره في سبيل تحقيق ما هو ضروري للتغيير نحو الأفضل، فالتغيير العملي هو شأن السياسي الذي يتلاقى مع المثقّف في طموحاته وأمانيه، والمثقّف هو منوّر ومحرّض على الفعل كاشفاً للأخطاء وموضّحاً لها، لذلك تأتي أهمية المناخ العام الذي يسمح للمثقّف ولغيره بالكشف عن وجهة نظره وإيصالها.

وإنّي أرى في الوقت الحاضر بضرورة أن يفتح المجتمع أبوابه للمثقف المبدع، وأن تفرد له المساحات الاعلاميّة كي يوصل صوت الحقيقة للآخرين، شريطة أن يكون على قدر المسؤوليّة، وأن يكون القدوة الحسنة للجميع.

فإننا في الوقت ذاته نطالب المثقّف سواء كان كاتباً أو فناناً أو اعلاميّاً، أن يعمق دوره المؤثر في المجتمع، وأن يقوم بواجبه على الوجه الأكمل والأمثل من خلال ما يلي:

1ـ أن يكون إيجابيّاً في تفكيره ومواقفه، ساعياً إلى نشر ثقافة التفاؤل والإنتاج، وألاّ يكون يائساً محبطاً، بعيداً عن روح الكسل والخمول.

2ـ  أن يكون قادراً على تكوين فكر مستقل خاص به، ساعياً إلى التحليل الواقعي السليم من إلمامه بما يدور حوله ومعرفته الدقيقة للواقع الذي يعيش فيه، وألاّ يكون خياليّاً بعيداً عن الواقع.

3ـ  أن يمسك زمام المبادرة في توعية المجتمع من بث روح الحماس والتفاعل مع القضايا، وأن يحمل هموم الأمة في قلبه، وأن يكون القدوة الحسنة، وأن يكون دوماً في المقدمة، لأن دوره يجب أن يكون في الطليعة، وذلك من خلال المشاركة في الندوات والمحاضرات وعبر تواجده في وسائل الاعلام.

4ـ  أن يكون أميناً في طرح المعلومة متجرداً من أي صفة حزبيّة أو طائفيّة أو مصلحة شخصيّة، كل ما يحركه هو الغيرة على مجتمعه وأمته، والرغبة العميقة في تغيير واقعه إلى الأفضل، لأن آفة العلم التعصب والانحياز إلى فئة معيّنة، أو التمسك بالرأي، وأن يكون أسلوبه الحوار والنقاش البنّاء للوصول إلى الحقيقة، وتحقيق الطموح نحو الأفضل.

5ـ أن يقرأ التاريخ قراءة صائبة محللة، فالتاريخ كما يقولون يعيد نفسه، وذلك للاستفادة من التجارب السابقة وعدم الوقوع في الخطأ مستفيداً من تجارب غيره.

6ـ أن يتعامل مع الأحداث بموضوعيّة، ويسعى إلى تحري الحقيقة أينما كانت ، لأنه مؤتمن على إيصالها للآخرين بكل دقة، وأن يكون العمل الدؤوب هو طريقه للوصول إلى ما يريد ويحقق الخير للجميع.

7ـ  أن يطرق القضايا الحقيقيّة التي تلامس أوجاع المجتمع، وتحدث تغييراً فعلياًّ في عقليّة المتلقي، وأن يكون بعيداً عن الخيال، بل عليه أن يكون واقعيّاً كي يستطيع أن يكون قريباً من الناس، وأن يتقبلوا أفكاره.

وهنا لابد من الإشارة إلى أنه عندما نبرز دور الإنسان المثقّف، فإننا هنا لا نخص ولا نتكلم عن الذكورة فقط، بأننا لا نعني التحيّز لعنصر الرجل الذكر فقط، إذ لا معنى للذكورة في هذا السياق، ولكننا نقصد به أيّاً كان أنثى أم ذكراً، وكذلك لابد أن ننوه أو نشير إلى أنّه هناك عدة عناصر أخرى كالانتماء والعرق ولون البشرة، بل يجب علينا أن نركّز على أن هناك مشترك كلي إنساني، فالإنسانية هي الرابط الكامل والشامل لكل الأجناس والأعراق، فكل منا قد يكبر وينمو في بيئة أو وسط اجتماعي مختلف عن غيره باختلاف الأزمنة والبنيات الاجتماعيّة.

وإننا وفي وقتنا الحاضر وفي ظل الحياة الديمقراطيّة التي نحياها، وفي هذا المجتمع الذي نعيش فيه ونتمتع بالحرية، علينا أن نقوم ونسعى جاهدين بكل ما نستطيع، إذ اعتبرنا أنفسنا مثقفين حقيقيّين ذكوراً وإناثاً، علينا واجبات ومهام ملقاة على عاتقنا يجب علينا القيام بها.

وأن نبحث ونستمر بالبحث عن السلبيّات والأخطاء ،وعن كل ما يعكر صفو الحياة الحرة الكريمة لأبناء شعبنا، وطرح هموم الشارع وإيصال ذلك للجميع، والبحث عن الوسائل الكفيلة التي من شأنها أن تغير واقعنا نحو الأفضل، وأن نقوم بالدور الريادي المنوط بنا من أجل تحقيق التغيير والاسهام في التنمية الاجتماعيّة والسياسيّة، فالتاريخ يزخر بالأمثلة والنماذج التي بقيت منقوشة في الذاكرة الانسانيّة للمثقّف المؤثر في المجتمع من أمثال: عبد الرحمن الكواكبي، صلاح الدين الأيوبي، وعبد الكريم الخطابي، ابن خلدون، وهم كثر لا مجال لإحصائهم فهم أسهموا في التغيير وعبّروا عن واقعهم، وآلام وآمال من حولهم وكل في جانب معين أو مجال خاص، وهنا نفهم بأن التعبير معناه أن نضيف شيئاً جميلاً وحسناً إلى الآخر، وأنه وسيلة بناء، لا معول أو مطرقة هدم، وأن تسهم وتشارك في تنمية نفسك وأسرتك والمحيط الذي نعيش فيه، وطنك، أمتك، ومعنى ذلك أن تضع بصمتك الخاصة في الحياة، وأن تترك الأثر الطيب الذي تُذْكر فيه سواء كنت حاضراً أم غائباً، حتى بعد الموت، وأن معناه الإخلاص في العمل، في التجارة في الحرفة، في الوظيفة وفي كل شيء.

وهنا لا بد أن نتطرق إلى دور الأسرة والمجتمع والمواطنة النظيفة التي تساعد في تحقيق ذلك، كذلك الأحزاب السياسيّة الشريفة، لأنها تعد المثقّف المؤهل القادر على التغيير والتنمية، وفي غياب هذا البعد والعوامل تتحول إلى معاول ومطارق هدم تنخر جسم المثقّف، وتجهض أفكاره وتبتلع طموحاته ومشاريعه الثقافيّة وتضعف قواه.

فأنا لا أريد أن أطيل، ولكن وليعلم الجميع بأننا وفي هذه المرحلة والظروف التي نحياها ونمر بها، بأننا بحاجة إلى مثقّف يحارب بكلماته كما يحارب الجندي برصاصته، نريده أن يكون مدركاً لما يجري حوله، لا نريده انتهازيّاً يتحين الفرص ليحقق بعض المكاسب الشخصيّة الضيّقة، لا نريده أن يكون حاملاً لليأس في فكره، ونريده أخلاقياً كي يكون قدوة في مجتمعه، لأننا كلنا مسؤولين، إذ نواجه عدواً واحداً لا يفرق بين هذا وذاك، فلنكن على قدر المسؤولية.

وبهد هذه الكلمات الموجزة أناشد الجميع بأن يقوم كل منا بدوره وبالشكل الأمثل في هذه المعركة التي نريد منها أن نحيا بسلام وبحرية وكرامة ونبني وطناً حراً كريماّ.