أدب الثورة- أسامة أحمد

 

استهلك الأدب كواحد من أهم الفنون في إطار السلوك الحسي والفكري للإنسان عبر تاريخ البشرية الكثير من الاهتمام بالدرس والتدارس والتحليل والتفسير، كما استحوذ على اهتمام الفلاسفة والمفكرين؛ مما يدل على ارتباطه الوثيق بحياة الإنسان فرداً كان أو جماعة، مؤثراً ومتأثراً بشتى مناحي النشاط البشري، وظل محط اهتمام مباشر كعامل جوهري في صلب القضايا المجتمعية والحضارية متنامياً باطراد مع تنامي حياة الإنسان على مختلف المستويات الشكلية والجوهرية، وللأدب في ذلك حصة الأسد كعامل حاسم في مراحل تطور الحياة عبر صراعاتها وتناقضاتها نشوئها, ارتقائها وانهيارها، لا بل وفي صياغة المفاهيم وصون القيم، ورسم خارطة طريق لأجيال ستأتي، كل هذا يجعلنا نزيد من التركيز على الأدب من حيث الوظيفة التي يؤديها أكثر من النظر له كفَنّ يبعث على المتعة والتشويق وسرد الأحداث أو تحوّلها إلى صحيفة تاريخية توثق لحقبة ما سلسلة من الدراما بشقيها التراجيدي والكوميدي. وهنا علينا الإجابة على الأسئلة التالية:

 

أولا : ما هو الأدب؟

لن نتحدث هنا عن الأدب بمدلولاته اللغوية بل سنتجاوزه إلى المعنى الاصطلاحي مباشرة.

إن الأدب أداة الوجدان اللفظية, أي فن تجسيد القيمة باللفظة، والوجدان هو وعاء القيم في اللاوعي، وهو إذاً غيبي لا يتأتى وجوده إلا من خلال أداة إفصاحيه تعبر عن مكنوناته، والأدب أحد أبرز هذه الأدوات وأكثرها شيوعاً وتداولاً، بل وأكثرها وضوحاً وإشراقاً أمام العقل والحس.

 

ثانيا :لماذا الأدب؟  

لما كان الأدب تلك السفينة الحاملة لكل صور الجوهر الإنساني ورسائله البلاغية النابعة من فحوى معاني وجوده هذا يعني أنه -أي الأدب- حامل لكل آلام وأحلام الإنسان، هو إذاً قبلة المشتاق المودع في لحظة لن تتكرر، هو ماض وحاضر ومستقبل، وهذا ما يجعل منه ذا تأثير عميق ومديد يظل يحيا على قصص الإنسان ويمدها أيضا بالحياة، فترى قارئاً يعيش في القرن الواحد والعشرين يتحدث عن قصيدة كتبت في القرن الثامن عشر قائلاً: لقد كتبت قصتي قبل أن أخلق، ثم ترى قارئاً يتحدث عن رواية فيقول: أنا بطل روايته، رغم أنه لا يعرفني، وترى مقاتلاً يتلفظ أنفاسه الأخيرة في أرض المعركة بعد أن أصيب إصابة بالغة تراه يردد أبيات شعرية لعلها ما دفعه لاختيار هذا الطريق.

تنشأ الأجيال منذ أولى مراحل التعليم على تشرب الأخلاق والقيم ومفاهيم الانتماء والتضحية والعطاء، تُشرّبها عبر الأدب شعراً ونثراً؛ ليرافقه الأدب في مراحل حياته الأخرى بأشكال مختلفة عبر وسائل كالكتاب والصحيفة والإعلام وغير ذلك، فللأدب إذاً تأثير بالغ في حياة الفرد، وهذا التأثير ينعكس بالتالي على الجماعة التي ينتمي لها ذلك الفرد.

 

 

ثالثا : كيف ذلك؟

بناء على ما تقدم من تعريف للأدب، وتبيان دوره المؤثر في الفرد والجماعة يتوضح جلياً أن للأدب وظيفة يؤديها في حياة الأفراد والمجتمعات، وهذه الوظيفة لا تقتصر على الحالات الفردية أو الخاصة؛ إذ أن شعور المرء بالقهر مثلا شعور ذا أسباب ونتائج عامة، فالشعور صادر من ذات ولكنها متعلقة بذوات عدة، وهنا تماما يتحول الأدب من مجال فردانية التلفظ إلى تشاركية المعنى علة، ونتيجة ليؤسس فيما بعد شعوراً جمعياً ربما ينتج عنه مفهوم أو موقف أو فلسفة أو ثورة..

في ظل تزاحم الأسماء والصفات والمصطلحات التي تطلق على الأدب هنا وهناك يحتل مصطلح أدب الثورة مكانة لا تنافسه فيها أيّة مصطلحات أخرى، في وقت لابد أنه عصيب محن تحتد، ومواجهات ومعارك تضطرم نيرانها، إنه زمن الحسم والفيصل، والمجتمع بحاجة لشحذ كل الهمم والطاقات في سبيل الوصول للحظة إعلان الانتصار، هنا تحديداً يرسل النداء لأرباب الكلمة، وتولى أهمية قصوى بالأدب، وهنا يرى عشاق الكلمة الفرصة سانحة لإطلاق كل الذي ظل مكبوتا لفترة طويلة، فتتهافت القصائد وتتزاحم النتاجات الأدبية المتنوعة ويختلط على المتابع وربما الدارس الأمر، تنطلق الشعارات والخطب والمواعظ، ويتكاثر الأدباء بسرعة تفوق سرعة تكاثر الأرانب، هل نحن حقا أمام أدب الثورة؟!

 

قبل الخوض في دراسة أدب الثورة من حيث التخصص علينا الاتفاق على بعض النقاط:

1-عن أية ثورة نتحدث:

شهد التاريخ البشري مجموعة هائلة من الثورات التي أخذت أشكالا متعددة وأبعادا مختلفة؛ تبعا لما حمله كل زمن ومجتمع من ثقافة وقيم وحياة سياسية، وغير ذلك من السمات التي اتصفت بها الحقبة والجغرافية التي كانت مسرحا لتلك الثورة.

 

 *ثورة سياسية:

فكانت الثورة السياسية التي تهدف للإطاحة بنظام حكم سياسي في البلاد واستبداله بنظام آخر، دون إيلاء الأهمية لجوهر التغيير المراد تحقيقه عبر هذه الثورة وهذا التغيير؛ إذ أن الثورة هنا هي مجرد صراع على السلطة، تقوده أحزاب سياسية تختلف في التوجه بين يمينيين ويساريين وإصلاحيين وغير ذلك، وهذا النوع من الثورات إن جاز إطلاق مصطلح الثورة عليها، لا أعتبر من وجهة نظري على أقل تقدير أن الأدب الذي يحاكيها أدب ثوري، بل يمكننا تسميته أدباً سياسياً، على أني لا أحبذ هذا النوع من الأدب؛ إذ أنه يتحول إلى أداة بيد جماعة من الساعيين خلف أهداف سلطوية؛ لو تعمقنا في جوهرها لما وجدنا فرقاً ملحوظاً بينها وبين الفريق المضاد المراد تغييره، وهو بعيد فعلاً عن القيم المجتمعية والمعاناة والأحلام التي يطمح لها البسطاء، وتعبر أكثر عن مرامي طبقة معينة من ذلك المجتمع، وهنا نكون ابتعدنا عن تعريفنا للأدب كأداة لفظية للوجدان؛ إذ أن الوجدان ذلك الوعاء الحامل للقيم يعتبر العهد الوثيق بين الفرد والجماعة.

 

 الثورة الأيديولوجية:

علينا هنا التنويه إلى التمييز بين الثورة الأيديولوجية والنهضة الأيديولوجية، فالنهضة تكون بإنتاج مادتها الفلسفية والعمل عبر وسائل سلمية لنشر هذه المادة كتوظيف المؤسسات التعليمية أو الاكاديميات أو التجمعات الثقافية المتمثلة بالفنون والبحث، وغير ذلك في سبيل جمهرة الفكرة، أما الثورة الأيديولوجية فتختلف من حيث الأساليب والطرائق التي تنعكس فيما بعد على الأهداف والغايات، وبالتالي جوهرها وسماتها العامة؛ إذ تعتمد على كل الوسائل الدعوية منها والعنيفة على حد سواء؛ بهدف الاستحواذ على مراكز القرار السلطوية بالقوة ضمن أوسع جغرافية ممكنة بغية إرساء تلك الفكرة كحقيقة مطلقة لا تقبل نظيرا لها أو منافسا.

وبذلك طمحت لفرض فكر خاص اتسمت في معظم الأحايين في اختصار الفكر الإنساني ضمن خط واحد يلغي أي فكر آخر يعارضه ادعاء منه بتمثيله للحقيقة كاملة، وخير الأمثلة عليه الثورات الدينية السماوية منها والوضعية التي وبرغم محاولتها التمثل بالأخلاق والقيم المجتمعية بنت سدودا أمام تطور الفكر، وخلفت أمراضاً اجتماعية هائلة، كما أنتجت مفاهيم قمعية وإقصائية، والأخطر من ذلك أنها شتتت النسيج المجتمعي، وأرست ثقافة العنف، وعلاوة على ذلك أنها أجازت لفئة دون أخرى التحكم بمصير المجموع، لا بل ومحاسبة الآخرين من قبل فرد يعتبر وكيل السماء في الأرض، وليس هذا بكل شيء، إنما ما يهمنا هنا كارثة أن هناك أدباً ساعد على ترسيخ هذه الحالة، وتعظيم شخوصها.

ولما تحولت الثورة هنا من فكرية إلى استحواذية فردانية تكون قد صبغت نفسها بالصبغة السياسية؛ ليتحوّل أدبها بطبيعة الحال من أدب الحكمة إلى أدب سياسي محض أيضاً.

 

*ثورة شعبية:

تلك الثورة المنبعثة من دوافع الهم العام والمستندة على القوى الشعبية بغية تحقيق أهداف للمجموع الكلي في المجتمع بكل أطيافه وشرائحه ومكوناته؛ سالكاً في سبيله مسالك سلمية تحاكي وجدان المجتمع وعقله وحسه الجمعي، وبذلك يكون الأدب الناتج عنه أدباً يتوافق مع تعريفنا للأدب الذي يستمد مادته ووظيفته وغايته من الوجدان؛ أي العهد بين الفرد والجماعة.

 

2- ما هو النتاج الذي نطلق عليه هذه التسمية (الأدب الثوري) هل هو النتاج الذي يتوافق مع الثورة زمنيا أم أنه المادة التي تحمل أفكار ثورية ما؟

 

&الأدب الذي يتوافق زمنيا مع الثورة قد يكون:

 

 *أدبا مؤيداً:

أي أدبا يتمثل بكل مفاهيم وقيم الثورة الشعبية، يحمل رسائلها ونظرياتها وأفكارها ورؤيتها؛ أي أن الأدب هنا يتمثل بوجدان الثورة (الشعب) ولسانها وذاكرتها وغدها الذي يلوح في تفاصيل الأحداث المهيبة.

 

*أدبا معادياً:

ونعني هنا معاديا للثورة الشعبية؛ أي مؤيدا لنقيضه المستهدف من قبل الثورة والمعادي للمجموع، مؤيدا للفردانية؛ أي طبقة أو طيف بعينه، وهذا النوع من الأدب يتماثل في المضمون إلى حد بعيد مع الأدب السياسي الهادف إلى غايات تعتبر شخصية، أو ضيقة بأحسن أحوالها، وهنا نجد التلاعب بالألفاظ والمعاني، واستغلال بعض الشعارات الشعبية وترسيخها؛ لتمكين المتمثلين بالفردانية في إقناع الجماهير بأهدافهم من تمسكهم بالسلطة، ويبدأ الأدب هنا يلعب دوراً وظيفياً سلبياً ومخزياً إلى أبعد الحدود في تشويه الحقائق والتلاعب بعواطف الجماهير لاستخدامهم في بلوغ الغايات السلطوية، وما تعظيم بعض القادة ومديحهم في الوقت الذي يكون فيه هذا القائد ليس سوى سفاح وطاغية وسارق لأموال الشعب، هذا المديح عبر الأدب إدانة لذلك الأدب الذي يلعب هنا دوراً في ترسيخ هذا الحكم المتجبّر، وتجميله لأقبح الصور التي لا ينفعها التجميل، وأمثلة ذلك في التاريخ كثيرة؛ فكم من محتلّ صوّره أدب الارتزاق بطلاً! وكم من جزّار وصفه ذاك الارتزاق اللفظي بالفاتح أو العادل! أو غير ذلك، فعلينا إذاً في دراسة الأدب التمييز والتوصيف الدقيق للمادة التي نتناولها، والتعمق في دراستها من خلال النسق والسياق، وأعتقد أنه لا يمكننا تسمية هذا الأدب سوى بأدب الارتزاق.

 

*أدبا محايداً:

إن المقصود بالأدب المحايد هو الأدب الذي يهتم فقط بالمادة الإنسانية؛ بغض النظر عن الجغرافيا التي تحتويه، والجبهة التي تنضوي تحت سطوتها؛ فالمراد هنا فقط القيمة الإنسانية، ولا يتحدث هذا الأدب عادة عن الممثلين للجبهات المتصارعة، إنما يتخذ من الإنسان ومعاناته وأحلامه مادته الأساسية، فيصورها تصويراً بعيداً عن المفاهيم الثورية أو السياسية، أو ما يؤدي إليها، كأن تتحدث عن قصة طفل فقد أبويه في ظل احتدام المعارك دون التطرّق تأييداً أو معاداةً لأي من طرفي الصراع، واعتبار مأساة ذلك الطفل مادة إنسانية خالصة، وهذا النوع من الأدب يلاقي رواجاً لما فيه من محاكاة لعواطف الإنسان وقيمه الأزلية، دون إشغال العقل والحس بصراعات البشرية على اختلاف توجهاتها، يسمى هذا الأدب عادة بالأدب الوجداني، بيد أني لا أتفق مع هذه التسمية؛ لأن الوجدان يحتم على الإنسان أن يكون صاحب موقف يمليه عليه ذاك الوجدان بما يحتويه من قيم، وأفضل تسميته بالأدب الإنساني؛ حيث أن مادته توجه لمجموع الإنسانية؛ بغض النظر عن مكان وزمان تواجدهم، ومدى صلتهم أو اتصالهم بالحدث، وبغض النظر أيضا عن القيم الخاصة بوجدان الأديب، إذاً لا يحتاج هذا الأدب لموقف يتميز بـ (مع) أو (ضد)، حيث أن الأديب هنا لا يلمح لمدى اتفاق أو رفض قيمه الوجدانية الخاصة لمسبب هذا الحدث، بل يتوجه فقط للتعاطف مع هذه الحالة الإنسانية، ويصور أسبابها العامة بمعزل عن المسبب، ببشاعة يرفضها، فيكون هذا أقصى مواقفه الخاصة.

&الأدب الذي يحمل أفكار الثورة هو إذاً أدب الثورة الشعبية.

*ما ماهيته ألا يمكن أن يكون أدباً اصطناعياً أشبه ما يكون بأدب البلاط؟

 

*أو ربما خالصاً يعبر عن الوجدان

لعل اقتران صفة الثورية بالأدب هو تماما تبني المادة الأدبية للثورة وأفكارها، وإلّا لما حملت صفتها الثورية، وهنا نجد أنفسنا أمام صورتين للأدب:

1-التحول إلى تمجيد الأشخاص من قادة للثورة ليصبح الأدب وثيقة تشريع لسلطتهم.

إن اندفاع بعض الكتاب، أو تحوّلهم إلى أداة خاصة يوقع بهم في شرك الأدب السياسي؛ ليتحول الأدب هنا من أدب يفترض أنه ثوري بحمله لقيمها إلى سياسي يوظف قيم الثورة لبعض قادتها، تقرباً أو مبالغة منهم في تمجيدهم، وهذا الأدب برغم ما يحتويه من نبل الثورة يخسر جوهره الثوري، دون شعور منه، فيصبح وقتياً، وذا تأثير ضيق لا يلبث أن يتلاشى وينسى، إذ أن فعاليته الوظيفية تنقضي بانقضاء شخوصه وظروفه التي ظهر فيها، وأسمّي هذا الأدب بأدب المصفقين الذين جل غايتهم إرضاء أناس بعينهم، دون التلفت والتركيز على الجماعة وروح الثورة، وجوهرها، ومثال ذلك قصيدة أو رواية تكتب عن أحداث ثورة تبرز اسم قادتها، متناسية الملاحم الشعبية، ودور الأبطال من أبناء ذلك الشعب وروحهم الفدائية، والتركيز فقط على أشخاص بعينهم، إذ حتى لو كان الناتج الأدبي يتحدث ضمن قصة بطولية لشخص ما فهو قادر على استحضار القيم والمواقف الجماعية لمجتمع الثورة ذاك.

2-تمجيد وترويج أدب الثورة للفكر ولروح المجتمع؛ شاملا المبادئ والأهداف (الغايات) أحلام وآلام الثوار (الشعب).

الآن فقط وصلنا إلى مبتغانا من هذه الدراسة، فالأدب الثوري هو أدب الثورة الشعبية التي تروّج وتتجلّى، وتحمل المجتمع وثورته في كل تفاصيلها ومضامينها، إشاراتها ورموزها وصورها الفنية؛ ليصبح الأدب فن الخلق والولادة، فن شروق الوجدان الإنساني.

 

الأدب الثوري:

لا أحبذ تسميته بأدب الثورة كصيغة لغوية، هي (صيغة الإضافة)، ما يعني أن الحقيقة الأولى هي الثورة التي يضاف الأدب إليها لاحقا كإحدى إفرازاته، وهذا يبعدنا عن جوهر هذا الفن الخلاق، والواجد والصانع والمؤسس للثورة ذاتها، انما أرى أن المصطلح الأدق هو:

(الأدب الثوري) لتصبح الثورة صفة ملازمة له، مما يضفي الثورية على كل جوانبه اللغوية والبيانية والبلاغية، ولهذا النوع من الأدب ثلاثة مستويات:

 

أدب ما قبل الثورة:

يقضي الإنسان حياته جاهداً في البحث عما هو أفضل، إلا أن طبيعة الواقع البشري تجعل من رحلته شاقة ومحفوفة بالمخاطر والأحزان، مؤرقة للنفس، تعترضه فيها شتى أنواع المصاعب والمعيقات المتعلقة بالظروف العامة للمجتمعات وتنافسها وتناحرها، مجال يطول شرحه وتناوله لتعقده وتشعب تفاصيله التي تكاد لا تنتهي، هذه الرحلة تفرض على الإنسان التحلّي بالصبر، التحدي، الإصرار والتمرد أحيانا كثيرة، والنفس الإنسانية أينما وجدت زماناً ومكاناً تنشأ فيها الصراعات، وحالات القبول والرفض، والعمل بالأساليب المختلفة الكلاسيكية منها والجديدة المبتكرة أيضا؛ سعياً للتعامل مع طبيعة الموقف، فالإنسان يغنّي ليعبّر عما في داخله، ويعلن موقفا تجاه ألم، أو أمل، كذلك المحارب يمضي مصارعا الموت ظناً منه أنه الوسيلة الأجدى نفعاً في بلوغ أو ترسيخ الأفضل، وما البكاء, الضحك, العراك، حتى الصمت المبالغ فيه أو الصرخة….الخ، ما هي إلا أشكال من السلوك البشري في مواجهة واقع ما، تعبيراً عنه، أو كمحاولة لتغييره، وهنا نجد أن الأدب كسلوك لفظي يفصح عن وجدان حيّ، هو أيضاً وسيلة في مواجهة الواقع، لكنه يتخذ أشكالاً متعددة منها: التصويري والتوثيقي والنقدي والسردي الخاوي من غاية ترجى، أو قيمة تضاف، أو ربما أدباً ملهياً؛ يبتعد عن حقيقة الإنسان الكفاحية من أجل حياة أفضل، وتتجاوز أشكاله أحياناً كثيرة الواقع نفسه، محاولة في الهروب إلى مكان أكثر نشوةً وأماناً في خيالية مفرطة، تنحي نفسها عن الصراع، وتكتفي بالأحلام الخارجة عن إمكانيات التحقق؛ لأنها لا تخاطب مفردات الواقع، وهي هنا حيلة للنفس تسعى لسعادة، ربما يصعب تحققها، ولكن يكفيها منه التلفظ بما ترغب أن يكون.

ليست سيئة كل هذه الأشكال، رغم أن بعضها تفقد وظيفيتها من حيث التأثير، إلى جانب كل هذه الأشكال يبدأ الأدب الثوري بالبروز كحالة خاصة في الأدب؛ إذ يجمع بين الحلم والطموح والواقع، والوسائل في المواجهة، ليس مهما أن يكون كل ما يقدمه قابلا للتحقق، ولكن المهم أنه لا يتوقف عند الحديث عما يريد، بل يتجاوزه إلى طرح الوسائل اللازمة لبلوغه، محرضاً بذلك على الأخذ بأسباب التغيير نحو الأفضل، ويكون دليلا لمن يسلك سبله, ويقاربه بهذا المفهوم الأدب الناقد الذي يتفحص الواقع، ويبين العلل ويقومها، ولكنه لا يكتسب صفة الثورية؛ لأنه لا يحمّلك على القيام به فعلاً، إنما يوضح ويشرح ما هو كائن، وما يجب أن يكون، بينما ثورية الأدب تستدعي شحذ الهمم، والدعوة للتغيير، وهو بذلك يؤدي وظيفته في تأسيس الثورة فكراً, وبناء جيلها المتشبع بفكرها، فيكون الأدب الثوري ما قبل الثورة فكرها وروحها المؤسسة للبنتها الأساسية؛ ألا وهي الفكرة، والحامل لرايتها، وهي بذلك تحتل مرتبة تتجاوز من حيث الأهمية وظيفياً؛ تتجاوز ما هو خلال الثورة أو بعدها، ولا نقصد هنا التقليل من أهمية المستويين الآخرين؛ إنما نميزها تأثيرياً من خلال الوظيفة؛ عبر ما تؤدينا إليه من نتيجة، فالمستويان التاليان مرهونان بقيام ثورة فعلاً، بيد أن السابق عامل خالق لها، وواجد، أو أنه أحد أسباب حدوثها على أقل تقدير، وعلينا هنا شدّ الانتباه لإحدى الأشكال الأدبية التي حاولت تشويه الأدب الثوري، والتقليل منه، والتصغير له كما وكيفا، ويختلط هذا على الكثيرين غير المختصين، وهو الفن التنفيسي الذي أتاح للمتسلطين على الشعب تشويه مصطلح الأدب الثوري، وتسميته بالتحريضي، إشارة إلى التحريض على التغيير الذي يعتبرونه بطبيعة الحال جريمة يجب أن يحاسب عليها المرء، في حين أن التحريض ليس اسماً أو عنواناً عريضاً للأدب، بقدر ما هو صفة له، لا تكون الثورية دونه، والتنفيس أسلوب نقد للواقع؛ مهمته الأساسية تمييع القضايا، وجعل الناس يألفون الخطأ على أساس أنه حالة عرضية لا تستحق إيلائها الكثير من الاهتمام سوى رفضاً ضمنياً لا يستوجب موقفاً, وسمي بالتنفيسي لأنه يفرّغ الكبت والضغط الحاصل في نفوس الناس جراء التجاوزات، ويأخذ دور الصرخة القابعة في داخل كل منا، هي الصرخة التي يحرض الأدب الثوري الإنسان على إطلاقها، وهو هنا-أي التنفيس- يقلل من احتقان الناس، ويمتص غضبهم، ويصهر ما بداخلهم؛ ليحافظ على توازن أرادوه في نفوس الناس، مقللين بذلك احتمالات الغليان، والانتفاض في وجههم، وهو أي التنفيس ليس بنقدي أيضاً، كما يصوره البعض؛ إذ يتلاعب بالمعاني والرموز والإيحاءات، وكثيرا ما يستغل عواطف الناس أيضاً؛ لإقناعهم بتأويل أولوه أو بمفهوم يخدم بقاء الحال على ما هو.

فالأدب الثوري إذا خاصة ما قبل الثورة عدوّ لكل المتسلطين والديكتاتوريات والمنظرين لهم، ولذلك هو قليل الظهور لكثرة القمع، ولا يخاف العالم اللاإنساني من شيء بقدر ما يخاف من هذا النوع الأدبي الرهيب والبالغ في الأهمية في مسيرة الإنسان نحو الأفضل.

 

أدب خلال الثورة:

تجتمع الأسباب الخاصة والعامة، وتتأتى الظروف، أو تهيء لتبدأ كلمة (لا) بفعلها على أرض الواقع، هذه الـ (لا) التي ظلت سنينا تغلي في دواخلنا، تقشع الناس غبار الذل عن عيونها؛ لتشتعل مع نفوسهم كلمة مسلحة بالإرادة والتصميم على الخلاص من عبودية لم تبقِ لهم من إنسانيتهم سوى قشورها، تتوحّد الحناجر والسواعد معلنة عن ثورتها لتنزل كلمات الأدب الثوري على مسامعهم كالماء البارد على القلوب الحرّى؛ فتقوّي من عزيمتهم, تزيد في إصرارهم, تحملهم على المتابعة والمقاومة وتسطّر بالكلمات ملاحمهم حروفا من ذهب.

لكن الأدب خلال الثورة وخاصة في فتراته الأولى ربما يكون أحيانا غير ناضج، يطرح بسرعة كردة فعل غير واضحة المعالم، فتكون كإحدى ظواهر تلك الحالة التي تحمل في طياتها تناقضات أو تخبطات تنم عن عدم وعي بتفاصيل مادته، وإنما هيجاناً يخلف نتاجاً غير مكتمل الصورة، وأحياناً يكون إنشاء وحسب، إلى أن يأخذ وقته في فرز الأفكار والمواقف ليتضح الطريق للكاتب، ويبدأ بإنتاج أدب ناضج، وهذه الفقرة تخص من لم يكتب للثورة قبل بزوغ شمسها.

للأدب الثوري الناضج دور بالغ الأهمية في جعل الصمود أكبر، والمقاومة أشد وأعتى؛ إذ تغذي الثوار بالروح النضالية والقيم السامية؛ فترفع من معنوياتهم، وتمنح الثورة عمرا أطول، وتأثيرا أبلغ، ما يعزز من فرص انتصارها، وتصبح هي نفسها ثائراً يجد مكانا له في كل جبهة، وكل نفس وعقل وقلب، وتكسب قيمتها الفنية إلى جانب ما تأتي به من بلاغة وصورة محكمة، ومعنى إنسانياً خالصاً، تكسب قيمتها من كونها نبض الثورة الذي ظل يدق مانحا الحياة للثائرين ولسانه في كل تقلباته وتحولاته، صعوده وهبوطه، يبكي بكاءه، ويمسح عنه الدموع وينتشي نشوته, زغرودة انتصاره, وحلمه الذي يحوم معه كظلّه في صحوه ومنامه, وذاكرته التي تسجل تفاصيل وجعه المسافر, ألمه الذي يكبر وأمله الذي يشع ويقترب، وهو على ذلك إلى أن تعلن الثورة نصرها.

 

أدب ما بعد الثورة:

يجد الأدب الثوري المولود بعد انتهاء الثورة مكاناً له في هذا التصنيف، إلا أني أجده أدباً يدعو للشك في مضامينه ومقاصده، إلا إذا كان تتمة لرحلة أدبية للكاتب، بدأت قبل الثورة، أو خلالها على أقل تقدير، فإذا كانت كذلك فقد استحقت السموّ، وإلا فإنها دون ذلك أمر مريب، ومثير للامتعاض؛ لأنه ربما يكون أدباً مدفوعاً بالنتائج؛ فيكون  لسان الأقوياء يسعى للاستحواذ على اهتمامهم.

لا يجب علينا في دراسة الأدب الجري وراء الكلمات بمعزل عن سياقها أبداً؛ فدراسة النص الأدبي تتطلب الكثير من التأمل والتعمق في دوافع النص وسياقه؛ ليستطيع الناقد ليس فقط إعطاء الرأي فيما أورده الأديب من معان، أو إلقاء الضوء على قوة لفظته، وإحكام جمله، وبدائع صوره، بل يهمنا دراسة الأدب كمادة تتأصل في التكوين النفسي للإنسان، والبنيوي المجتمع، وتبلغ مبلغ الصدق في ما تأتي به من أفكار ومعان؛ لتستحق أن تكون صورة الوجدان الحية وأداتها التي تطرحها في مسرح الحياة، حقيقة لا يطالها الزوال، ولا تعمى عنها الأعين والضمائر.

الأدب الثوري مولود مقدّس من رحم طاهر, مبشرٌ بفجر جديد.