شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

شقيق الألم ـ ليلى خالد

31

 

 

من بين سحبٍ مشكلة من دخان يتعالى دون توقف تضيء خيوطاً نسجت من آمال شعب مناضل مقاوم لا يهاب الموت رغم كل ما يتعرض له من أزماتٍ وضغوطات، دفاعاً عن حي صغير باتَ كجزيرة في وسط بحر هائج محاط بتماسيح لا يتوقف سيل لعابهم أمام أزقةٍ ضيقةٍ وعتمة تفتقر لِأبسط مقومات الحياة.

لكنهم أعلنوا عسوفهم وتحديهم لأهل الحي البسطاء، فوهات المدافع الجهنمية جاهزة للإعلان عن الخطر القادم من كل الجهات، دقت ساعة الصفر، وبدأوا هجوهم الأرعن، إنه هجوم أشرس من الذي قبل، ينادون (حرية.. حرية)، لكن عن أي حرية يتحدثون؟!! أيعقل أنهم فقدوا شيئاً ما عندنا تدعى “الحرية ؟!!لا أعلم حق!!.

وسرعان ما تحولت كلماتهم إلى رماد وضباب تعالى مع أولى القذائف في سمائنا الجميلة التي علقنا بها دعائنا وآمالنا .هاجمونا باسم (لبيكِ يا أختاه)، زرعوا الفتنة بيننا وكذبوا الكذبة وصدقوها، أقسموا بقتل أخواتنا وأمهاتنا وأطفالنا تحت شعار (لبيكِ يا أختاه) أي أختٍ لكم؟ وأنتم تحللون نكاحكم لأخواتكم وأمهاتكم.

التاريخ: 16 شباط 2016م

المكان: حلبحي الشيخ مقصود

بدأت لحظة الهجوم أصواتٌ مرعبة تختلط مع أصوات المدافع والتكبيرات الزائفة وصدح الصواريخ الغاشمة وهم ينادون (لبيكِ يا أختاه) وتموت في اللحظة عشرات الأخوات.

ينادون (انتظرونا نحن قادمون لنحرركم وقسماً فكل رجالكم للذبح ونسائكم سبايا لنا).

يا إلهي ما هذا التحرير، هم نصرةً لمن؟؟ لماذا يهاجموننا إذاً؟!! وكيف يقتلونا ليحررونا؟!! ومِن مَن يحررونا؟!!.

جاءوا لصوصاً ومجرمين باسم المحررين، انهالت علينا قذائفهم وامتلأت سماؤنا بحممٍ نارية تفتت البشر والحجر.. يموت الصغير والكبير.. صراخات الأمهات صدحت السماء بين أم تصرخ (زاروكي مين “أولادي”) وأخرى (أولادي.. أولادي)، وأخرى تصلي لليسوع وتدعوا للسلام. نعم إنه حي (الشيخ مقصود).. قلعة الصمود وموطن الأخوة.

بات المكان كالبركان وتعالت أصوات السيارات التي دخلت تحت خدمة إسعاف الجرحى، فالمدرسة التي كانت تدرس وتعلم الأطفال وتتوجهم بالشهادات تحولت الى مكان يتخرج منه مئات الشهداء بتفاوت أعمارهم وانتماءاتهم.

تتسابق سيارات الإسعاف للدخول إلى المشفى الميداني، دخلت سيارة بيك آب وقد حملت جثث أطفال ونساء وشيوخ بين جريح وشهيد وهرول الجميع لإدخالهم الى غرف الاسعاف التي كانت تفتقر لأبسط الإمكانيات الإسعافية، هنا شدني صراخ طفل يبكي وينادي (أمي.. أنقذوا أمي..)، التفتُ إليه وإذ بذراعه مبتورة تماماً ورغم ذلك يتوسل للطبيب الذي يسعفه ويقول (أرجوك أيها الطبيب، أنا بخير، أنقذوا أمي..)، الأم لازالت تتنفس وهي ممددة أمامه على الأرض، غارقة بدمائها الطاهرة، تحدق بنظرها لفلذة كبدها، تصارع ملك الموت وتقاومه لتحتضن صغيرها وتمتص آلامه، تم حمل الأم الى غرفة أخرى لتلتقط آخر انفاسها وتحتضر وابنها يتوارى عن ناظريها شيئا فشيء ، وليسيطر الطفل على نفسه تحت جرعة بنج حمقاء. فقدت الأم حياتها كما الكثير من الجرحى الذين فقدوا حياتهم بسبب نقص في الكادر الطبي والأدوية الأساسية الإسعافية.

وفجأة دخلت باحة المدرسة سيارة مسرعة وفيها رجل يلطم وجهه ويصرخ (ولدي.. ولدي.. أين ولدي.. أين ابني عمار.. أرجوكم أريد رؤية وجهه)، أسرع إليه بعض الأهالي المتواجدين لتهدئته لكن دون جدوى، الرجل يصرخ بجنون صارم، جاء الطبيب إليه وحضنه وقال (اطمئن يا أبي.. ابنك بخير وتم اسعافه.. لا تخف وهدء من روعك.. سيكون بخير وستصحبه معك إلى البيت عما قريب).

صرخ الأب بأعلى صوته (كيف أنقذتم ابني ونصفه الآخر في سيارتي.. نعم أنا احمل نصف جثة ابني.. لقد انشطر إلى نصفين بشظية ملعونة).

باتت علامات الفاجعة على الجميع، وخيم الصمت على المكان، وتوقف الزمان لبرهة، والذهول المفجع بات على الطبيب وكل من وقعت على أسماعه هذه الجملة اليتيمة، وبات صمتهم صرخات خشعت لها الأرض والسماء وهناك في الأفق البعيد لاح طيف عمار وطيف كل شهيد وهو يهمس (لا بأس لا بأس بما رمتنا به أقدارنا.. غداً تهب نسائم الأمان على أغصان زيزفونة أحلامنا وتتعطر بلادي بابتسامة أطفالها وضحكات المغتربين عنها .لا بأس بما تجرّعنا من ألم وتعب .غداً ينجلي شتاء الحزن ويعقبه ربيعٌ توقف أعواماً على أطراف القلوب .لم يبق إلا القليل أيها المنتظر).

Hits: 3