شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

زواج القاصر.. وتأثيرها على المجتمعات ـ فيدان محمد

31

 

الأسرة هي العموُد الفقري وأصغرُ خليٍة ومؤسسةْ اجتماعيةْ في المجتمع يبدأُ منها بناءُ الفرِد والجماعة، ويعتمدُ أسسُ تكوينها وتحقيقُ سعادتها في الحياة على مدى نجاح العلاقة فيما بينَ أفرادها معاً، فالعلاقاتُ الجيدة والوديةْ والصحيحةْ تؤدي إلى إثراء النواحي الاجتماعية والنفسية والثقافيةْ والفكريةْ والارتقاء بها لصالح متانتها ووجودها وبنيانها من حيثُ المضمون المتسمِ بداخلِ العائلةْ الذي يعكسُ الشكلَ المتماسك لمن حولهم، كما تجعلُ الآخرينَ ينظرونَ إلى هذه الأسرة نظرَة احترام وتقدير.

على عكسِ كلِّ ذلك          يتسبب ضياعهم وتشرذمهم عنَد وجوِد عدم الرضا عن هذهِ العلاقة ونبذها، نتيجةَ الخلافاتِ والمشاكل العائلية المنعكسةْ سلباً، فينتابُ أفراد هذهِ الأسرة شعورٌ وإحساسٌ عميق بالحزنِ والكآبة والفتور بينهم لتصل أحياناً درجة الشتات، لأنَّ الحياة التي يعيشها الفرد كلما كانتْ أكثر إشباعاً لحاجاتِه النفسيْة والأمنيْة والاجتماعيةْ، يصبحُ توجهه أكثَر إيجابية تجاهَ كلَّ شيء، والعكسُ صحيح خاصةً في ضوِء التغيراتِ والتبدلاتِ الاجتماعيةْ نتيجةَ مرورِ السنينِ وتغيُر الظروفِ الناتجة بشكل طبيعي، تبعاً للتطورات في كل الأصعدةْ ومناحي حياةِ الإنسانية من ناحية، وما تتركهُ من تأثيراتٍ وتحولاتٍ عدةْ من ناحيةٍ أخرى، وعلى صعيِد العلاقة الزوجية بين الزوجين، إذا كانْت مبنيةً على أسسٍ سليمةٍ ومتينٍة وقويةٍ وصحيةٍ تقوى العلاقة ويزيد الرضا، محققةً بذلك التوافقَ النفسي والاجتماعي والمعنوي والثقافي والفكري، كما يحقق الاستقرار بين الزوجين.

وإن كانَ العكس سيخلقُ صراعاً نفسياً واجتماعياً وعدمَ توافق وعدَم تكيف بين الطرفين محدثاً الشقاقَ والنزاع والخلاف وعدم الاستقرار، ما سيدفعُ بالزوجين أو أحدهما التفكيَر بالطلاق والانفصال، بالتالي تنتهي حياتهما الزوجية بالفشل والبقاءِ معاً لإكمالِ مهامهما وخلقِ الألفةْ بالعيشِ سوياً والالتزام اتجاهَ أسرتيهما، فالإنسانُ كائنٌ اجتماعي بطبيعتهِ يبحثُ عن السكينةِ والمودةِ والمحبِة والاهتمام والسعادة والمتعة واللذة.

قد نكون أسهبنا في مدخلِ موضوعنا الأساسي ألا وهو زواجُ القاصر، ليسَ عبثيةْ إنما لخطورتهِ على الفردِ والمجتمعِ أولاً، واعتبارهِ أحدَ أهمِّ الأسبابِ في وقتنا الحالي التي تؤدي للطلاق الحالةْ الشرعية ْبالنسبِ المعقولةْ إن كانت ستكونُ حلاً وإنقاذ ما يمكن إنقاذه لكيان ووجود الأسرة، لكن في حالِ تجاوزتْ الأعداد المعايير المعتادةْ وتزايدتْ نسبُ الانفصال بأرقامٍ كبيرةْ جداً تصلُ لدرجةٍ  مخيفةْ خاصةً في ظلِّ الحرب والنزوح المخلفة تركَ الأرض، التي ولدَ وعاشَ فيها ينعمُ بالأمنِ والأمان، إلى بقعةٍ هي ليست أرضهُ ووطنُ آباءهِ وأجداده واختلافٍ في طرقِ العيش بشكلٍ كبير، ما يؤثرُ سلبياً على استقرار وهدوء وسكينةِ الفرد والأسرةْ.

يعتبُر الطلاقُ حالياً ظاهرةْ اجتماعيْة نفسيةْ تسوُد جميَع المجتمعات، وقد ازدادت نسبها مؤخراً في مجتمعاتنا لما تخلفهُ الحروب من آثارٍ سيئةْ ومدمرةْ لتفككِ الأسرةْ وآثارٍ كارثية على الأطفال من طرف، وظهوِر لسلبياتٍ اجتماعية ونفسيةْ عديدةْ مرفقةْ بالاضطراباتِ النفسية والسلوك المنحرف، لحد الوصول للجريمة وغير ذلك من طرف آخر.

إنَّ تنظيمَ العلاقة بينَ الرجلِ والمرأة على أساسِ قوةِ بنيةِ تكوينِ الأسرة، كانتْ وما تزالُ مركز ومحور الاهتمام، لضرورةِ الانتباه ولفت أنظار الأفراد والمؤسسات والنخب لأضرار الطلاق على بناءِ شخصيةِ الفرد والمجتمع معاً، وتقديمَ كل الإمكانات والجهود لإنجاحِ هذه العلاقة أي (العلاقة الزوجية)، ذاكَ الرابطَ المقدس بينَ الجنسين والكلُّ يحاولُ، لاستمرار سعادتها وتطورها.

تعد هذه الظاهرْة مشكلْة مركبةْ متعددَة الجوانب تقودُ الأسرة إلى الانهيار الكامل وتفككها، ولا يمكننا أن نحمّل الزوجة مسؤولية ذلك لوحدها، فالمسؤولية تقع على عاتق الزوج أيضاً، وآثارها السلبية لا تنعكس على الأبناء والأسرة وحسب، بل على حركة تطور وتقدُم بناءِ المجتمعِ بأسره، ومن أكثِر الأسبابِ المؤديةْ للطلاق وأكثرها شيوعاً في الوقت الحالي بين المجتمع العفريني في مناطق النزوح، الزواج المبكر (زواج القاصر) بعمر تحت السن القانوني قبلَ بلوغ الثامنةَ عشرَ عاماً، لذا يجبُ علينا التركيز وبجديةْ على هذا النوع من الزواج خاصةً بظروفٍ غيرِ عادية قاسية جداً مختلفةْ جذرياً عما كانَتْ في عفرين، ظروفٌ فرضتْ طقوساً للعيش لا تشبهُ الحياةَ السابقة التي كان يعيشها ابنُ عفرين في منطقته، وبالأخص العائلاتِ الفقيرةْ مادياً وتعليمياً وثقافياً واجتماعياً، باتخاذها الحلولُ العشوائيةْ والمرتجلةْ في ظنٍ واعتقاد أنهُ إنقاذٌ للفتاةِ من براثن الفقر والخوف والانحراف والجريمة والعار، لذا وجبَ علينا الانتباهَ جيداً والتفكيرَ ملياً بما ستؤولُ إليهِ الأمور عندَ زواجُ القاصرِ، وتكمنُ الكارثة عندما يصبحُ قانوناً ودستوراً تستسهلهُ الأغلبية كنظام لحياتها حتى تصبح هي الأخرى ظاهرة اجتماعيةْ عامة، وهذا يضعنا أمامَ مرضٍ – بالأحرى وباء- ينخُر في بنيةِ المجتمع رويداً رويداً بنتائجهِ السلبيةْ على الأسرة والمجتمع حتى ينهار، ويعودُ ازدياد هذا النوع من الزواج إلى التغيير من ناحية الظروفِ الاقتصادية الغير مستقرةْ والسكن الجماعي لأكثِر من عائلة في منزلٍ واحد وقلةُ فرصِ العمل، مثقلٌ التأزم المادي كاهلَ الأهل الذينَ لم تعد باستطاعتهم تلبية مستلزماتِ بناتهم كالمتطلبات المادية من ألبسةْ باهظة الثمن وأدوات الزينة إلى ما هنالك من احتياجات للفتاة في هذه الفترة من العمر وهي مرحلةُ المراهقة الشديدةُ الحساسية في التعامل مع كلا الجنسين، لقد تغيرتْ الحياة على الإنسان النازح العفريني في كافةِ النواحي والجوانبِ الحياتية، فمجرد أنْ تصبَح الفتاة في سن الرابعَة عشرة  يقومون بتزويجها لأول خاطب وطالب ليدها للزواج، نتيجةَ أسبابٍ تطرقنا لها مسبقاً في حديتنا النية هي حمايةُ البنت من الضياع والخطأ والخطيئةْ متناسين أو غير منتبهين للعمر البيولوجي والمعرفي والثقافي والنفسي الذي تبلغهُ، حينَ ستصبحُ ربَة منزل ومسؤولة عن أسرة تتألفُ من زوج و أهله وأولاد تنجبهم وستربيهم من الناحية البيولوجية والعاطفية والفكرية والمعنوية، أي بناء إنسان قلباً وقالباً، هذه المفاهيم التي ما تزالُ البنت بعمر الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة عشر تتبلورُ لديها إلى عمرٍ يتجاوزُ الثامنةَ عشر وما فوق، فهي لم تخوضْ في العمر المبكر تجاربَ الحياة وتحمل المسؤوليات والأعباء بعد، فاكتشاف المشكلة وأسبابها وإيجادُ الحلولِ لها أو حتى تفادي الخلافات والانتهاءَ من جذورِ المشاكل بالنسبةِ للمراهقة لن تتوضح إلا من خلالَ معايشتها التجربةْ، إنها في سن تعتمدُ على أهلها ومن حولها في حال واجهتْ أي مشكلة، أي ما تزالُ غضةْ وعودها طري لم تبلغْ في سن ما قبل الثامنة عشر عاماً من النضوج الذي يحميها هي أولاً وأسرتها ثانياً ناهيكَ عنْ التبلورِ البيولوجي الذي يكونُ قيدَ التكوين .

فكيفَ لطفلة ومراهقةْ أن تربي طفلاً تحشدُ لهُ نُظم التربية والدول أساليباً ودراساتٍ وأبحاثاً وبرامجاً تساعدُ في صحية تربية الطفل، وهيَ بعمر صغير على مصاعب وعوائق الحياة.

أمثلة كثيرة عن فتيات بعمر الطفولة والمراهقة حُمّلن مسؤوليات أكبرُ من حجمِ جسدها وعقلها، باترةً عمرها الندي وأحلامها المستقبلية بحججِ علينا الوقوفَ في مواجهتها وحلِّ العوائق قدر المستطاع، قبلَ أن يحدث ما لا يمكن تحمل عقباه من شتات وانتشار الفوضى والأمراض النفسية والجريمة، بذلك انهيار المجتمع.

وفيما يلي نعرضُ أحد النماذج:

فتاُة لم تبلغْ من العمرِ السابعَة عشرَ من العمر قامتْ عائلتها بتزويجها من شخصٍ يكبرها بخمسةَ عشرَ عاماً، بالرغمِ من أنها كانتْ تمتلكُ موهبةً أدبية وتفوق في دراستها لولا أنْ وأدتْ ظروفها الأسريةْ موهبتها بزواجها في هذا العمر، الذي تحضّرُ فيهِ للشهادة الثانوية ولمرحلة الدراسة الجامعيةْ وتدربُ كيفَ لها أن تنجح في عالم الكتابة والأدب.

كانَ بإمكانها أن تكونَ مشروعَ شاعرة تبلغُ مكانة أدبية عاليةْ، خاصة ًوأنها تكتبُ باللغةِ الكردية ولديها إلقاِء شعر بأسلوبٍ راقٍ، فهي من بيئة اجتماعية بسيطة جداً ومنغلقة اجتماعياً من واقعِ العاداتِ والتقاليدِ القاتلة للمرأة وحياتها الاجتماعية المعتمدة هذا المفهوم الذي ترعرعت أسرتها عليه، وهو إنْ بلغتْ الفتاة الرابعةَ عشر َعليهم تزويجها بسببِ خوفِ الأهل والحفاظ عليها، كي لا تغرقْ في عالم التواصل الاجتماعي، فقد أصبحَ النت متواجداً لدى كل عائلة خاصةً في المجتمع الشرقي المعروف بالجهل في هذه المرحلة العمرية الحساسة جداً، ذلك بسبب عدم وجود وعي للتأثيرات السلبية والخطرة التي يمكن أن يسببها عدمُ وجود ثقافة جنسية توعويةْ تثقيفية بين المجتمع، كما يقال: (كل ممنوعٍ مرغوب).

بالزواج المبكر في سن القاصر يعتقدُ الأهل أنها قاموا بإنقاذ ابنتهم، لا يعلمون بأنهُ دمارٌ لحياِةِ الفتاة وتدمير لمستقبلها ومنعها من تحقيقِ طموحاتها العلمية والثقافية والفنية والأدبية والأهم من كل ذلك نضوجُ شخصيتها لتفادي ما قد يتسبب في تدمير حياتها.

هنا لا نقول أنْ الهاتفَ غير ضروري ومضر، التعاملُ الغير صحي معهُ هو سلبي، بالعكس التطور والتكنولوجيا أحد أسس النجاح، لكن المطلوب أن يعلّم الأهل أبنائهم كيف يتم استخدامه بطريقة إيجابية وصحيحة بعيداً عن السلبيات الموجودة فيه، فالهاتف بحد ذاته كارثة إن اُستعملَ بشكلٍ سلبي حينَ نشاهد الهاتف بأيدي الأطفال والمراهقين دونَ تمهيدٍ لاستخدامهِ بإيجابية، فالزواج لا ينقذ الفتاة بقدرِ ما يحميها التربية والتوعية للتعامل مع كل شيء بعقلانية ليس الهاتف وحده، وحتى بيولوجياً وفيزيولوجياً لم تنضج بعد بشكلٍ صحيح لتكون قابلة للزواج، عندها ستتعرض لمشاكل كثيرة ففي الرابعةَ عشرَ لم يكتملُ الرحم بعد متعرضةً لخطرِ الموت أثناء الولادة، وقد يولد الطفل قبل وقته لعدم تحمل جسدها يموت أو يكونَ معوقاً لأسبابٍ تتعلقُ بقلةِ ثقافتها الصحية لها ولجنينها.

فزواج القاصر بمناطقِ النزوح جريمة بحق الأسرة العفرينية وبحق كل المجتمعات، وسبب يؤدي إلى الخيانة الزوجية، فعندما تكون الأم غير واعية ثقافياً وفكرياً وعلمياً وجنسياً ونفسياً لن تستطيعَ حلَّ مشاكلها الزوجية وتربية طفل سليم من كافة النواحي، لن تعرفَ حتى مشكلةَ طفلها إن كان منعزلاً منطوياً على نفسه وغيرها من الأموٌر الكثيرة، لأنَّ رعايةَ الطفل ليس بالسهلة، حتى التعامل مع عائلة زوجها، فإن كانتْ مدللة لدى والديها فقد تنزعج بكلمة من عائلة زوجها، وتعتبر ذلك بداية شجار ومن الشجار إلى مشاكل كبيرة وبعد ذلك تتفاقم المشاكل  لمرحلة الطلاق، فزواج القاصر هو زلزال يزلزلُ العائلة الصغيرة والكبيرة والمجتمع بأكمله، فالأسرة هي الأساس التي يُبنى عليها المجتمع، هو المنبع الذي يتدفق منه الأفراد الذين يبنونهُ، لكي يكون هذا المجتمع صحي وسليم وألا يتزعزع كيانه يجب أن يكون هناك شروط صحية وسليمة لبناء هذه المؤسسة الصغيرة، والأسرة التي بدورها تتحول إلى حي وبعد ذلك إلى مدينة وبالتالي تتحول إلى بلد بكامله، يجب أن يكونَ هناك أساس صحيح وبأن لا تكون جذورها على الأرض فقط بل يجب أن تكون متعمقة ومتشبثة، لأنها ستكون مثلها مثل أي مياه سطحية سوفَ تجف من حرارة الشمس وستكون سهلة الاقتلاع وسهلة الذهاب مع أي ريحٍ تهبُّ عليها.

 

Hits: 7