مجلة أدبية ثقافية فصلية تصدر باللغتين العربية والكردية في شمال وشرق سوريا

الكاتب والمترجم إبراهيم خليل لـ “شرمولا”: انصهار شعب ما ضمن شعوب أخرى واستعارة لغتها وعاداتها وأزيائها يعني موته حرفياً

 

 

حاوره: دلشاد مراد

 

إبراهيم خليل: كاتب ومترجم كردي، وُلد عام 1972 في مدينة حسكة بشمال وشرق سوريا، حائز على إجازة في اللغة الفرنسية من كلية الآداب بجامعة حلب ودبلوم في التربية. دّرس في المدارس الحكومية السورية وكذلك في قسم اللغة والأدب الكردي بجامعة روج آفا في مدينة قامشلو، له ترجمات عديدة عن العربية والفرنسية إلى الكردية، أهمها الترجمة الكردية لكتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” للكواكبي والترجمة الكردية لرواية “ثلج” للفرنسي ماكسانس فرمين وترجمة كتاب “الاستيلاء على الخبز” للاشتراكي الروسي بيوتر كروبوتكين عن الفرنسية إلى العربية وكذلك ترجمة رواية “آخر رمانات العالم” للروائي الكردي بختيار علي إلى العربية بالاشتراك مع عبد الله شيخو، وآخر ترجماته المطبوعة هي الترجمة العربية لرواية بختيار علي “قصر الطيور الحزينة” إضافة إلى عشرات الكتابات الأدبية والسياسية والفكرية واللغوية الأخرى بالعربية والكردية والفرنسية. يعيش حالياً في مدينة حسكة.

 

ــ نرحب بكم أستاذ إبراهيم، اسمح لنا في بداية حوارنا أن نعود بك إلى الوراء، فكما تعلم كانت اللغة الكردية ممنوعة بشكل رسمي في سوريا، وكثير من القوانين والتعاميم كانت تصدر طوال عقود القرن العشرين بشأن منع تداولها في التعليم والنشر، وجميع الدساتير السورية التي صدرت منذ الاستقلال وإلى الآن لم تعترف بها كلغة رسمية في البلاد، كنتَ كأي كردي يعيش على أرض آبائه وأجداده ويحُرم من تعلم لغته الأم في المدرسة، كيف كنت تتلقى تعليمك بغير لغتك الأم، وهل أثرت على تكوينك الشخصي والمعرفي فيما بعد؟

أحب أن أفتتح بالقول إن اللغة أكبر من أن تكون، كما يبدو عليه ظاهرها، مجرد وسيلة تفاهم وتواصل. اللغة خصيصة بشرية وهي في جوهرها إرث جمعي معنوي للجماعة الناطقة بها، والشعوب الواعية فقط هي التي تضع تراثها المعنوي في مرتبة أعلى من تراثها المادي لعلمها أن التراث المادي قابل للسطو والاستلاب بينما التراث المعنوي هو ثروتها الحقيقية التي تشكل عماد هويتها والتي لا يمكن لأحد أن يسطو عليها لأنها موزعة على جميع أفراد الشعب وبنسب عادلة.

إن مسيرة قمع اللغة الكردية ومنع التعلم والتعليم بل والتحدث بها في أجزاء كردستان عموماً وروج آفا خصوصاً يشير إلى نقطتين في غاية الأهمية, الأولى هي حقيقة المكانة المركزية التي تشغلها اللغة في تكوين أي أمة، والثانية هي وعي وإدراك النظم الاستعمارية والاستبدادية في كل زمان ومكان، لهذه الحقيقة فالقضاء على أمة ما لا يستلزم بالضرورة القضاء على جميع أفرادها بل حسبك أن تسلبها روحها, والتي أوضح ما تكون في اللغة التي تتكلمها وتميزها عن المستعمر وسواها من الأمم.

بالنسبة لحياتي الشخصية، نشأتُ كآلاف الأطفال الكرد الذين بلغوا السنة السادسة من أعمارهم وهم لا يتقنون سوى لغة واحدة وحيدة هي اللغة التي لقنتهم إياها أمهاتهم. مع دخول المدرسة كانت أمامي لغتان جديدتان علي التحدث بإحداهما في الشارع وباحة المدرسة مع الأطفال الآخرين (العامية العربية) واستخدام الثانية في القراءة والكتابة أعني العربية الفصحى المعيارية المعتمدة في عموم العالم العربي كلغة رسمية للتعليم.

العربية الفصحى، كما لا يخفى، عسيرة على التعلم كونها من اللغات القديمة المعربة والتي لا يمكن اعتبارها اليوم “لغة أم” لأي أحد على وجه الأرض لكني شخصياً لم أجد صعوبة في تعلمها ربما لأن ذلك قد تم في سن مبكرة وبشكل إلزامي ممنهج.

لا شك إن العربية قد أثرت في تكويني الثقافي بشكل كبير حتى إنني وجميع أبناء جيلي ندين لها بجميع ما اكتسبناه من معارف وما اطلعنا عليه من آداب محلية أو مترجمة ولكن كل ذلك بالطبع كان يتم – بدون علمنا ولا إرادتنا – على حساب لغتنا الأم التي لم يكن مسموحاً لها اختراق حرم المدرسة ولا حتى الاقتراب من أسوارها.

كانت الكردية في تلك المرحلة قد اقتربت كثيراً من العربية بفضل سياسات الصهر التي كانت تتبعها الأنظمة السورية العروبية المتعاقبة حتى إن بعض زملائنا من التلاميذ العرب كانوا يسمونها “لهجة” ويتندرون عليها وعلينا بسبب التشوه الكبير الذي أصابها وتسلل مئات الكلمات العربية إليها والتي كانوا يسمعونها منا، نحن الناطقين بها، خلال أحاديثنا اليومية مع بعضنا البعض.

مع بداية دخولي إلى المرحلة الثانوية وبالتحديد في السنة التي قصف فيها النظام العراقي مدينة “حلبجة” بالسلاح الكيمياوي، تعلمت اللغة الكردية قراءة وكتابة وكانت لحظات تاريخية فارقة في حياتي ما زلت أذكرها حتى الآن. لم يكن عشق اللغات المتأجج في داخلي بحاجة إلى من يلقنني حروف لغتي الأم بل إن ورقة صغيرة تضم الحروف الأبجدية الكردية مكتوبة بخط يد أحدهم جاء بها أحد الطلبة ووقعت في يدي بالمصادفة كانت كافية لأتعلمها.

ــ يبدو واضحاً شغفك بمسألة اللغات منذ بدايات شبابك، وإلا لما وقع اختيارك على اللغة الفرنسية كفرع دراسي لك في الجامعة، خذنا معك إلى تلك الأيام وحدثنا عن ذلك وعن بدايات اهتماماتك الأدبية؟

اهتمامات الإنسان جزء من تكوينه، أعني إنها فرض لا خيار، إنها شيء له قوة الجبر والحتمية نفسها الموجودة في تكوينك الفيزيائي، فأنا مثلاً لم أختر أن أحب اللغات وأعشق الأصوات البشرية وأهجس في يقظتي ومنامي بتفاصيل الكلام ووسائل التعبير وصيغ الإنشاء، بل إنني نشأت فوجدت نفسي على هذه الصورة، وكلما كبرت يوما إضافياً كبر معي الهوس بهذا العلم وازدادت رغبتي في الاطلاع على دقائقه وتفاصيله ودراسة أسراره وخباياه.

درستُ الأدب الفرنسي لأنه كان أقرب الآداب المتاحة إلى روحي في الجامعة ولا حاجة للقول أنه لو وُجد الأدب الكردي ضمن الخيارات في ذلك الوقت لم أكن لأختار سواه بالطبع.

كان الأدب الفرنسي فرصتي الأولى في الخروج من الطوق الحديدي المحكم للغة العربية، فرصة لاكتشاف طعم جديد ولون مغاير ونمط آخر للتفكير وصور أخرى من التعبير وبالتالي نسخة جديدة ومغايرة كلياً من العادات والحضارة والثقافة والتاريخ والشخصية الإنسانية.

قادني التعمق في تلك اللغة الجديدة إلى اكتشاف كمية كبيرة من التشابهات التي تجمعها بلغتي الأم على صعيد المفردات كما على صعيد القواعد، بل أحياناً على صعيد الحكم والأقوال وفنون البديع والبلاغة.

وأذكر إنني ترجمت، في تلك الفترة، بعض أشعار “جكرخوين” نظماً إلى الفرنسية، كما ترجمت نظماً بعض أشعار “فيكتور هوغو” و”لافونتين” إلى الكردية، وكتبت في دفاتري ملاحظات كثيرة تتعلق بالتأثيل اللغوي* الفرنسي من جهة تقاطعه مع الكردية بشكل خاص.

في وقت لاحق كانت دراستي الأدب الفرنسي خير معين لي على تدريس الكردية، فمن جهة كنت قد اعتدت خلال سنوات الدراسة الجامعية على التعامل بشكل يومي مع الحرف اللاتيني مما سهل علي التعامل مع الأبجدية التي وضعها الأمير جلادت بدرخان للغة الكردية، ومن جهة أخرى استفدت من دراستي الجامعية في إسقاط كل ما تعلمته من مبادئ الألسنية وأبحاثها على لغتي الأم لاحقاً.

ــ تمكن الكرد، رغم كل المساعي الهادفة إلى طمس هويتهم اللغوية والثقافية طوال القرون الماضية، من الحفاظ على أنفسهم كشعب قائم بذاته وكذلك الحفاظ على لغتهم من الاندثار والانحلال في بوتقة شعوب ولغات أخرى. ما أسباب ذلك برأيك؟

لا أعتقد أن أي قوة مهما بلغت من الشدة والقهر بإمكانها خلال فترة حكمها القصيرة نسبياً تذويب لغة تشكلت عبر آلاف السنين إلا إذا فقدت تلك اللغة من تلقاء نفسها جاذبيتها وجدواها وتحول أصحابها عنها طوعاً إلى لغة أخرى، ولكن حتى مثل هذا التحول الطوعي لا يتم بقرار ولا بين ليلة وضحاها إنما بشكل تدرجي بطيء للغاية.

بالنسبة لبقاء الكردية حتى اليوم، أعتقد أن الأسباب كثيرة لعل أهمها وأقواها أصالة الشعب الكردي وإرادته الجمعية في الحفاظ على ثروته المخبأة بين فكيه دون الاتكال على أحد من عناصر بنيته الفوقية من السياسيين أو المحاربين أو حتى المثقفين، يضاف إلى ذلك القاعدة اللغوية التي تقول إن لا خطر على اللغة المحكومة إن كانت من مجموعة لغوية مغايرة للمجموعة التي تنتمي إليها اللغة الحاكمة وهذا هو حال الكردية مع العربية والتركية والخطر الوحيد الذي يمكن استشعاره والتحسب له هو احتمال ذوبان الكردية في الفارسية على المدى البعيد كونهما من أرومة واحدة.

لا يموت الفرد بموت لغته الأم وخروجها من حياته وتهميشها في معاملاته اليوم، ولكن الشعوب تموت إن حدث لها ذلك الأمر، فانصهار شعب ما ضمن شعوب أخرى واستعارة لغتها وعاداتها وأزيائها يعني موته حرفياً.

صحيح إن الكردية قد بقيت صامدة عبر العصور ولكن الصحيح كذلك أن خضوعها المزمن لحاكمية أجنبية قد ساهم في تأخرها وتشظيها ومنعها من الوصول إلى مرتبة اللغة المعيارية الموحدة وهذه النقطة بالذات ما زالت حتى الآن تستنزف الشطر الأعظم من جهودنا التي كان من المفترض أن تصب في خدمة وتطوير اﻵداب والعلوم بالكردية.

ــ رغم حفاظ الكرد على قوميتهم ولغتهم، إلا أن عدم استقلال الكرد في كيان سياسي خاص به وتجزئة بلادهم في المنطقة واتباع سياسات الإقصاء والانحلال الثقافي من قبل حكومات البلدان التي يقطن فيها الكرد أثرت بدورها على الكرد ولغتهم من ناحية تكريس التجزئة اللغوية والثقافية، فتعدد الشكل الكتابي للغة الكردية (الكتابة بالأحرف العربية واللاتينية)، وحتى بعد تشكيل إدارات كردية في إقليم كردستان بالعراق، والإدارة الذاتية في روج آفا وشمال وشرق سوريا وتوفر معاهد كردية متخصصة في أوروبا لم تتحقق الوحدة اللغوية الكردية حتى الآن رغم محاولات عديدة في هذا المجال. كيف تنظر إلى هذه المسألة، هل هناك حاجة إلى لغة كردية موحدة وكيف يمكن التوصل إلى ذلك وما هي صعوباتها؟

في حقيقة الأمر، اللغة المعيارية ليست حاجة فردية أو اجتماعية بقدر ما هي حاجة سياسية، فالتمزق الحاصل في أوصال وطن واحد لا بد أن يرافقه أو يدل عليه تشتت لغوي، وبرأيي إن الوصول إلى لغة معيارية ثم فرضها مرتبط ارتباطاً كبيراً بوجود سلطة واحدة موحدة لها القدرة والشرعية على سن القوانين وفرض الإجراءات وقمع المخالفات. وفي الحالة الكردية لا يمكن الحديث واقعياً عن لغة معيارية واحدة بسبب الفوارق القواعدية الواضحة التي تشكلت عبر القرون بين اللهجتين الرئيسيتين (الكرمانجية والسورانية) ناهيك عن اختلاف أشكال الرسم والكتابة، ولذلك أرى أن من الطبيعي ومن الواقعي مناقشة وجود لغتين كرديتين معياريتين مع الاحترام الكامل للعواطف القومية الكلاسيكية التي لا اعتبار لها في المقاييس العلمية الجافة والصارمة. هذا على الصعيد العلمي أما على الصعيد السياسي الحزبي فإن الخلافات الأيديولوجية القائمة بين شطري كردستان (باشور وروج آفا) قد أثرت بشكل كبير جداً على التقارب الثقافي المنشود حتى بات لكل طرف مسمياته الخاصة لتعاملات الحياة الاجتماعية والإدارية وحتى وصل الأمر إلى الاختلاف في تسمية مصطلحات النحو والقواعد والإعراب في الكتب المدرسية.

الوصول إلى لغة معيارية مضبوطة الرسم والنحو مهمتنا نحن أبناء روج آفا بسبب السيادة والاستقرار النسبيين اللذين نتمتع بهما ويدخل تحت جناح هذه المعيارية بالطبع جميع الناطقين بالكرمانجية في جنوب كردستان وشمالها، ولذلك لا مفر من العمل معهم لتحقيق هذه الغاية على أن نشتغل في وقت لاحق على المرحلة الثانية أعني التوفيق بشكل ما بين الكرمانجية والسورانية.

ــ ما هي تصوراتك لتشكيل مجمع لغوي كردي موحد؟

أنا أنظر إلى المجمع اللغوي على إنه (بناء بشري) لا خرساني، بمعنى أن من الممكن تشكيل مجمع لغوي كردي حتى ولو لم يكن له مركز محدد على الأرض. وعلى خلاف اللغة المعيارية، لا يحتاج إنشاء مجمع لغوي كردي إلى أي سلطة سياسية ترعاه لأنه حالة علمية مدنية بحتة، سنحصل على المجمع اللغوي الكردي حالما يتفق اللغويون الكرد على ضرورة العمل المشترك بعيداً عن أي خلافات سياسية حزبية أو حتى شخصية.

في كردستان اليوم عدد لا يستهان به من اللغويين المؤَّهلين علمياً وبإمكانهم عبر الاستفادة من وسائل التواصل عقد اجتماعات دورية على شاشة واحدة (هذا الأمر بدأ يحدث بالفعل) تمهيدا لاجتماع ضخم واحد على الأرض يتم فيه الإعلان عن قيام المجمع المنشود.

ولدينا من جهة أخرى مجمع لغوي كردي في إقليم كردستان منذ عشرات السنين ولن يكون من الخطأ الاستفادة من تلك التجربة في بناء مجمعنا اللغوي الخاص والتنسيق معهم بعد ذلك في كل ما يتعلق باللغة والأدب الكرديين.

ــ أقر العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا اللغات (الكردية والعربية والسريانية) كلغات رسمية في مناطقها، بالتعليم والنشر وغير ذلك، وذلك لأول مرة في تاريخ سوريا. كيف تنظر إلى ذلك؟

أنظر إليه بفخر وأزعم أن الإدارة الذاتية بخطوة كهذا قد أثبتت عملياً عظمة الفارق الحضاري الذي يتمتع به الكرد مقارنة بالأنظمة التي كانت تحكمهم وما تزال والتي كانت تمنع الكردي حتى من التنفس بلغته ناهيك عن التعلم بها.

من حق أي كائن بشري على وجه الأرض التحدث والتعلم والتعليم بلغته الأم ولا منة لأي أحد ولا لأي سلطة في السماح بذلك. الإدارة الذاتية في روج آفاي كردستان فعلت ما كان يجب أن يفعل.

من جهتي، لغات العالم كلها سواء في نظري، ولا أربط أي لغة بسلوكيات الشعب الناطق بها بقدر ما أراها تراثاً إنسانياً عاماً، فالعربية والسريانية وحتى التركية والفارسية والعبرية جزء من تراثنا الإنساني الثقافي – وإن لم تكن لغاتنا الأم – وجميعها محل تقدير ويجب أن تكون محل رعاية وحماية.

التعصب كما أعرفه ليس في حبك للغتك الأم، بل في كرهك أو احتقارك للغات اﻵخرين.

ــ  كيف ترى واقع النشر باللغة الكردية (الصحافة والآداب) في شمال وشرق سوريا؟

كما أسلفت، استولى الاشتغال باللغة منا على حيز كبير من الوقت والجهد، وهذا الأمر أثر وما يزال يؤثر فينا كونه يتم على حساب تطوير المحتوى الفكري والثقافي المطلوب منا تقديمه.

بالنسبة إلى الصحافة الكردية الورقية منها والإلكترونية، أرى إنها قد تقدمت على الأدب وقطعت أشواطاً في التأسيس للغة صحفية كردية، وكلي ثقة أنها لن تلبث أن تمتلك أدواتها الضرورية وقوالبها المعيارية الخاصة بها.

أما الأدب فما زال متعثراً – والحديث ما يزال عن روج آفا- لأسباب تعود إلى الجهد الكبير الذي يجب بذله والعوائد الشحيحة التي يحصل عليها أصحابها مادياً ومعنوياً، كما تعود إلى غياب دور الترجمة وبالتالي الافتقاد إلى الأمثلة والنماذج الأجنبية التي يمكن للكاتب الكردي الناشئ الاعتماد عليها والاستيحاء منها والاستفادة من تقنياتها ومجاراة روح العصر، يضاف إلى ذلك التعثر الواضح في التأسيس لأدب أصيل ضمن مجتمع ما يزال قبلياً في تكوينه، قروياً في نمط معيشته، لم يتعرَّف بعد على تعقيدات الحياة المدنية وتشابك العلاقات والتطور العلمي والانفتاح على اﻵخر، وتلك هي مجمل العوامل التي أسست لنشوء فنون القصة والرواية والمسرحية والنقد الأدبي الحديث في أوربا وسائر دول العالم.

أما رواج الأدب الكردي وإقبال الناشئة على الكتابة فيه فلا شك عندي إنه مرهون بوجود القارئ، والحقيقة المؤسفة هي إن تسعة أعشار شعبنا (وفيهم أصحاب شهادات دراسية عليا) أمّي لم يقرأ في حياته صفحة واحدة مكتوبة بلغته الأم، بل لا نية لديه في التحرر من أميته رغم زوال عوامل الخوف والحذر وتوافر الظروف المشجعة حالياً.

ــ عملت كمدرّس جامعي في إحدى مقررات قسم اللغة والأدب الكردي بجامعة روج آفا في مدينة قامشلو بعد افتتاحه قبل ثلاث سنوات، هل يمكنك الحديث ولو باختصار عن هذه التجربة الناشئة في المنطقة؟

لطالما قلت وكررت للأصدقاء من حولي وللطلبة الذين درَّستهم إن التدريس في “جامعة روج آفا” كان من أفضل ما وقع لي في حياتي كلها، وذلك لأنني لم أكن أتخيل أن يأتي يوم يصبح فيه التعليم بالكردية متاحاً وعلنياً بل ومأجوراً بهذه الصورة. إن أبناء جيلي خير من يفهم بدقة ما أعنيه لأنهم نشأوا مثلي على امتداد سنوات طويلة ثقيلة في ظروف من القمع الثقافي والسياسي كان محرماً علينا خلالها نطق أي كلمة بالكردية داخل أي مؤسسة رسمية، فاقتناء كتاب كردي كان كافياً أن يعرضك لسلسلة من التحقيقات في الفروع الأمنية، وإلقاء قصيدة بالكردية في محفل كان سبباً لدخول صاحبها السجن لسنوات.

جامعة روج آفا إنجاز كبير يعادل برأيي الانتصار على تنظيم “داعش” الإرهابي، إنجاز يجب العمل عليه بجد وإخلاص من أجل تطويره، التطوير الذي لن يتم برأيي إلا بعد تجاوز عقبتين رئيسيتين: الارتباط بحالة أيديولوجية بعينها والافتقاد إلى الكوادر التدريسية المؤهلة.

ــ هناك إشكالية تتعلق بتحديد هوية أو تصنيف نتاجات الأدباء الذين يكتبون بغير لغتهم الأم، وفي الوسط الأدبي الكردي أيضاً هناك جدال مستمر فيما إذا كانت النتاجات العربية للكتاب الكرد تدخل في خانة أو خدمة الأدب واللغة الكرديين أم غير ذلك. باعتبارك أحد الكتاب الذين يكتبون بلغتك الأم ولغات أخرى وتترجم فيما بينها، ما رأيك في هذا الموضوع الشائك؟

هو ليس موضوعا شائكا بل إنه حتى لا يصلح أن يسمى إشكالية. الموضوع بديهي أكثر مما تتصور، فشكسبير أديب انكليزي لأنه كتب بالإنكليزية وهوغو روائي وشاعر فرنسي لأنه كتب بالفرنسية وسعد الله ونوس مسرحي عربي لأنه كتب بالعربية وبختيار علي روائي كردي لأنه يكتب بالكردية.

أما لماذا تحول هذا الأمر عندنا إلى إشكالية وبات الحديث فيه محل خلاف فلأن نسبة كبيرة من مثقفينا يعّبرون عن أنفسهم باللغة العربية التي تلقوها في المدارس السورية الرسمية وقد تشرّبوا الثقافة العربية عبر الكتب والصحف والتلفزيون ومؤخرا الأنترنت، هم بعد أن تقدمت بهم السن لم يعودوا قادرين ولا مؤهلين على التحول عن العربية إلى أي لغة أخرى ولو كانت لغتهم الأم، وفي الوقت نفسه تعتلج في صدورهم مشاعر قومية جيّاشة تطفح عبر أقلامهم على شكل قصائد أو قصص وروايات ومقالات بالعربية, ورغم وضوح هوية ما يكتبون تراهم -استسلاما لعامل العرق- مصممين على تقديم أنفسهم كـ “كتّاب كرد” ومن هنا نشأ هذا الاصطلاح المتناقض (الأدب الكردي المكتوب بالعربية).

كثيراً ما يحدث أن تفقد شريحة النخبة في الشعوب الخاضعة لاستعمار مزمن هويتها الثقافية وتنحاز إلى هوية مستعمريها لأسباب ودوافع كثيرة منها الاستسهال أو التكسب أو حتى الخوف والرهبة والهزيمة النفسية، وينقسمون هم أنفسهم داخل تلك الطريق الفرعية إلى قسمين، ينتقل الأول منهم إلى خندق المستعمر بكليته فيكتب بلغته عنه، بينما يقف الأخر في منتصف المسافة فيكتب بلغة المستعمر عن شعبه المضطهد وأمته المغلوبة على أمرها وكلاهما يقدم نفسه على إنه مثقف الأمة المحكومة ولكن دون أن يكلف نفسه عناء كتابة حرف واحد بلغته الأم بل حتى دون أن يحاول تعلمها.

على الجانب اﻵخر تجد من (القرّاء الكرد) من يتابع هؤلاء (الأدباء الكرد) مانحين بعضهم بعضاً صكوك الوطنية في تهميش واضح ومتعمد لدور اللغة ومركزيتها الثقافية وحاكميتها على جنس الأدب وجنس الأديب.

لا أجد توصيفاً لهذه الظاهرة أفضل من وسم “القنانة الثقافية” مع الاحترام للأشخاص لا للظاهرة ومع أنه لا يمكن لي ولا لغيري نفي صفة “الكردي” عن هؤلاء الكتاب المحترمين فإن وصفهم بـ “الكاتب الكردي” أمرٌ يستدعي النظر والمراجعة لأن الاستمرار في هذا النهج (أعني نهج الدفاع عن الكرد بالعربية) لن يدفع نخبة العرب ولا حتى عوامهم إلى التعاطف مع الكرد على الإطلاق وقبولهم كشعب ذي خصوصية بل سينتهي بالكرد “عشيرة عربية” تنطق بلهجة خاصة بها وتطالب بحصتها من المراعي.

أدرك وأتفهّم صعوبة الانتقال من ثقافة ولغة نشأ عليها المرء إلى ثقافة ولغة غريبتين عنه فعلياً، ثقافة في أتون الصهر ولغة مضطهدة حرص المستعمرون على اختلاف أشكالهم على جعلها “لغة حواري” مبتذلة وساقطة

ولذلك فإن ندائي إلى هذه الشريحة من إخوتنا الكتاب الكرد الكاتبين بالعربية ليس: اكتب بلغتك الأم (فقط) ولكن: اكتب بلغتك الأم (أيضاً).

ــ في السنوات الأخيرة ترجمتم العديد من الكتب القيمة ما بين (الكردية والعربية والفرسية)، وهذا جهد أدبي قيم على صعيد تبادل ونشر الأفكار، فالترجمة كما هو معلوم لها أهميتها في التواصل والمعرفة والنهضة الأدبية لدى الشعوب والأمم، والوسيط في ذلك هو المترجم. ماذا عن ظروف عملك في الترجمة، شروطها، صعوباتها، وأثرها عليك… ؟

في الحقيقة أنا لا أرى نفسي مترجماً والسبب الرئيسي وراء اشتغالي بالترجمة هو الفقر المدقع الذي تعانيه الكردية في هذا المجال والأمر الذي شجعني على خوض هذا المضمار هو إتقاني أكثر من لغة أجنبية وعليه فقد وجدت أنني يمكن أن أقدم شيئاً مفيداً، أن أضع لبنة، ولو كانت صغيرة، في عمارة الأدب الكردي المنشود.

المترجم مؤلف ثانٍ للنص وظروف عمل المترجم ليست سهلة بالمطلق وأتصور أن المترجم الذي يفتقد إلى حافز داخلي للعمل في هذا المجال لن يستمر فيه، والمترجم الذي لا يستمتع هو شخصياً بقراءة عمله المترجم يستحيل أن يلقى ذلك العمل قبولاً من لدن قرائه.

على المترجم أن يتقن كلتا اللغتين المنقول منها وإليها إتقاناً تاماً وأن يكون مطلعاً على ثقافتيهما (التاريخ، العادات، أساليب البلاغة، الأمثال، التوريات …) وأن تكون الأمانة أساس عمله والتوفيق بين الشكل والمضمون استراتيجيته العامة والحصول على نص نهائي بريء من شبهة الترجمة غايته النهائية.

ــ كيف تنظر إلى مستقبل الترجمة وهل ستتمكن التقنيات الحديثة برأيك من القيام بدور المترجم مستقبلاً؟

لا شيء من المنجزات التقنية، حتى الآن على الأقل، يمكنه تعويض غياب المترجم أو لعب دوره فحتى اﻵن لا يمكن لأعظم البرامج والتطبيقات الإلكترونية أن تمنحك نصاً مترجماً بشكل صحيح كما يجب. المترجم كائن مفكر تأتيه الخاطرة، والخاطرة إبداع، واﻵلة كائن ملقن لا يمكنه الخروج على ما سبق أن تم تلقينه إياه.

لا أستبعد في ظل التطور العلمي المتسارع، أن يتم الوصول في المستقبل إلى تطبيقات متطورة تترجم النصوص السياسية والعلمية ترجمة آلية أقرب إلى الإتقان، ولكن الوصول إلى آلة تحل محل المترجم بشكل واف ونهائي سيتطلب زمناً طويلاً لا يمكن انتظاره أو التنبؤ بموعده.

ــ ما تقييمك لواقع الترجمة في شمال وشرق سوريا؟

للأسف لا يمكن الحديث عن الترجمة في منطقتنا كظاهرة أو كعمل مؤسساتي ممنهج ولكن كمبادرات فردية وجهود شخصية مشتتة يقوم بها أفراد قلائل هنا وهناك. وهذه المجهودات مهما بلغت من الإتقان والإبداع والإخلاص فإنها لن تستطيع تلبية حاجات مجتمعنا المتزايدة خاصة وإن آلاف التلاميذ والطلبة الكرد سيكونون بعد سنوات قليلة قرّاء جاهزين سيطالبوننا بنتاجات كردية مؤلفة أو مترجمة عجزنا عن توفيرها لهم وذلك تقصير كارثي بمعنى الكلمة.

الترجمة مهمة وطنية وكم هو مؤسف أن نجد شعوباً ترجمت إلى لغاتها الوطنية مئات آلاف الكتب الأجنبية بينما لن تجد في ما تُرجم إلى الكردية من لغات أخرى على امتداد تاريخها ألف كتاب كتقدير مبالغ فيه.

قمت مع بعض زملائي المترجمين بعرض ومناقشة مسودة مشروع “المركز القومي للترجمة” على بعض الجهات المعنية في الإدارة الذاتية لكن الأمر لم يلق أي اهتمام للأسف.

ــ ما هو آخر مشاريعك الأدبية سواء في الترجمة أو غيرها؟

لدي مجموعتان قصصيتان بالكردية وديوان شعر للأطفال بالكردية كذلك أفكر في طباعتها جميعاً في أقرب فرصة.

بالنسبة إلى الترجمة: لدي كتابان مطبوعان حديثاً: مسرحية “كاليغولا” لـ “ألبير كامو” من الفرنسية إلى الكردية ومجموعة قصصية لـ “غي دو موباسان” كذلك من الفرنسية إلى الكردية، كما أعمل حالياً على ترجمة رواية “سمرقند” للأديب الفرنسي من أصول لبنانية “أمين معلوف” من الفرنسية إلى الكردية، لدي مشاريع كثيرة وأخطط ألا أتوقف عن الكتابة حتى يتوقف العالم عن الحركة ولا عن الترجمة حتى يتوقف العالم عن التأليف.

ــ ختاماً، نشكركم على قبول دعوتنا لهذا الحوار ولكم أطيب التمنيات ودوام العافية.

الشكر لكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*التأثيل (علم أصول الكلمات أو التأصيل أو الإيتيمولوجيا): فرع من فروع اللسانيات، يدرس أصول الكلمات، ونهج تطورها، ومقارنة المتشابه منها في لغات تنتمي لعائلة لغوية واحدة. (المحرر)

 

*نُشر نص الحوار في العدد (11) صيف 2021م