مجلة أدبية ثقافية فصلية تصدر باللغتين العربية والكردية في شمال وشرق سوريا

عروس مقدِسية – رشيد قدوري

 

رشيد قدوري

 

لا تستغربوا إن سمعتم بطفل يقول ضاعت القدس في يدي، فأنا أعي ما أقول، خذوا حبراً ولوحاً وارسموا معي واملؤوا الفراغ بألوان الحسرة. لا تتفوهوا بأسئلتكم الغبية ولا تكمشوا جلود جبينكم من الاستغراب، أنا لست مجنوناً ولا أحمقاً ولا حكيماً يتلفظ غموضاً.

أنا مجرد تلميذ عربي كنت أدرس في الصف الثاني ابتدائي، أهوى اللعب والعزوف على إنجاز التمارين المنزلية، كباقي زملاء الصف، أتحجج بكل أشكال الحجاج لأتملص من عقاب المدرس، (نَسِيتُ، انطفأ القنديل، كانت لدينا عمتي…)، ألعب في الطرقات وأنا عائد إلى بيتي الصغير وأصارع محموداً كلما التقينا في منتصف الطريق…

هواياتي…؟!

أي هوايات لدي؟ فنحن أطفال البوادي هواياتنا كطبخة عشاء أعدتها الأم فتجبر على تناولها، وتُقَبِّلُ يد أمك على إعدادها، وتظهر التلذذ بها وأنت غير راض، لكن الوضع الاجتماعي والطمع في الرضى يفرض ذلك، هكذا هي الهوايات نمرح بكل شيء بسيط أو نصنع المرح من العدم.

استيقظت صباحاً، لا بل أيقظتني أمي، غسلت وجهي ونصف يدي ونصف رجلي. ثياب النوم لاتزال صالحة للمدرسة ما دامت عورتي مستورة ولم أتبول عليها ليلاً. جلست على الطاولة كتلميذ مهذب مثالي اسمه – ماهر- ولكني لست ماهراً في شيء، فيهمس لي صديقي:

يُحكى أنك دائم الشجار مع محمود وأنت نحيل الجسم. كيف لا تهاب ذلك الجسم الضخم، إنه كتلة من اللحم؟!

محمود إنه يأبى الاعتراف بالهزيمة، بجثته المكورة وبطنه المنتفخ ورقبته المخفية بين كتفيه.

قاطعَنا طرق الأستاذ على السبورة:

انتبهوا.

دخل رجل لا يشبه معلمنا، ابتسامته تعلو وجهه عند كل شفاه تتحرك، وينادي بعد كل كلمة “أبنائي” حتى ظننت أننا كاسم جامد مبني داخل فمه، لا يحركه متحرك حتى معلمنا لا يستطيع مناداتنا بأبنائي بهذا القدر.

بدأ في الموضوع بعد أن سلم على المعلم وقال:

سنقيم نشاطاً تربوياً يضم كل أنواع الترفيه بما فيها مسابقة الرسم، التقطت الجملة كمطلع أغنية يحفظها المطرب عن ظهر قلب، وغبت بعدها بذهني عن الفصل حتى خرجنا من الفصل. كل التلاميذ يتحدثون عن آخر الأخبار، وهم يعرفون أدوارهم. فسعيد يجيد الغناء ويردد أناشيد الأطفال كأغاني الرسوم المتحركة التي يقرع بها آذاننا حتى في مباريات كرة القدم، أو عند مروره أمام الزقاق “يحنقز” برجليه على إيقاع الكلمات.

وزينب مجتهدة ثابتة رزينة لا شك تشارك ولو ظلت مخبأة خلف المنشدين، أو حتى ترفع ستار الخشبة وتنزله، بذلك تظهر مرتين عند كل عرض. أما سعيد فيتقن الحكي والكذب المضحك ونسج الخيال ورتبته خلف زينب في نتيجة الدورة الأولى.

هنا كل شيء بالنتيجة..

علمونا أن الموهبة واحدة والجزاء واحد والتفكير واحد والجزاء للنقطة وليس للذهن المبدع والمفكر.

انتظروا لم تعرفوا حالتي بعد:

أنا سرت ذلك اليوم ثقيل الخطوات لم أخرج مسرعاً من الفصل كما عهدت، حتى محمود لم أنتبه لوجوده عند المنتصف فقد أثقلت الجملة ممشاي، وانحنى عنقي من ثقل التساؤلات: ماذا سأفعل في النشاط؟؟؟

أنا لست بسعيد أو خلف زينب، نتائجي متوسطة، أنا لست حافظ أناشيد، ما أغبى الأناشيد المدرسية التي تجعلني كالبهلواني!

المسرح! لا لا أنا أهاب الخشبة لا شك كل العيون ستنصب علي وتحملق تنتظر بما سأنطق لأضحكهم. ماذا عن الرسم؟ أرسم  كيف؟، أنا لم أفعلها من قبل، ولم أغني حتى أغنية (أرسم بابا أرسم ماما بالقلم…) القلم؟ أنا لا أملك أقلاما سوى اللون الأزرق الداكن ولون الورقة البيضاء، وبقع من زيت المائدة على جيب محفظتي، ولكن لا يمكن للسماء أن تكون زرقاء داكنة. نصف منقلتي تكسر بكثرة إلقاء المحفظة على الأرض، ولي أقلام حبر واحد أحمر كقلم معلمي، وأخضر للعناوين والأزرق الذي يرغم علينا إحضاره.

لكن الرسم يحتاج قلم رصاص وممحاة ومنجرة لمسح الاعوجاج وبقايا الرصاص الذي يحوم حول الجدران.

أرسم! أرسم ماذا؟

ظللت أفكر ماذا سأرسم بهذه الألوان: أرسم حصاناً أبيض من لون الورق والقلم الأزرق، لا لا، أرسم سيارة حمراء من لا يعشق سيارة حمراء.. لا لا، إنه لون الفتيات.

لم أهتدي للفكرة إلا بعد حلول ظلام الليلة الأخيرة من يوم تسليم الأوراق المرسومة للجنة. هناك تذكرت أمي تردد القدس.. القدس، وعلى أفواه التلاميذ وجدران المنازل وعلى شاشة التلفزيون الأسود والأبيض فقلت:

سأرسم القدس بلون التلفزيون فكل الناس تردد (القدس القدس)، والعرب يفخرون بالقدس لا شك سأرسم شيئاً مميزاً.

الألوان لا يهم.

الرصاص لا يهم.

المهم أن الرسم بيت المقدس..

بدأت البحث عن ورق مقوى صلب يظهر شموخ العرب وصمودهم مع القدس. فجاءت عيني على كتاب السنة الأولى كان يوجد فيه نص عن القدس “وترافقه صورة”، كان القدس بقبة صفراء ولون الجدران المحيطة به لم أهتد للونها وكيف يمكن مزج هذا اللون بخلط الألوان لا أدري، أنا لست رساماً، ولا أجيد مزج الألوان.

بدأ الليل يدمس وعزمت على رسم بيت المقدس. فتشت في محفظتي، فرغتها لأول مرة منذ اشتريتها، وجدت نصف قلم رصاص غير مقلم، أخرجت رأسه بسكين صغير، وبدأت رسم الجدران، أرسم وأمسح، أمسح وأرسم، وأكرر الأمر وأردد:

لا يمكن للقدس أن تكون قدسا دون قبة نصف كروية وجدران متماسكة الأحجار مرصوصة بانتظام. لا يمكن للجدار أن يصيبه اعوجاج!، العرب لن تسمح بذلك واللجنة ستوبخني. فهذا تقول عنه أمي:

(بيت المقدس، والمسجد الأقصى).

وضعت الخطوط والليل قد انتصف وعيناي يقظتان وكأنها في منتصف اليوم، لم يتبق عن انهائها إلا القبة الصفراء واللون الأصفر، ولكني عانيت مع رسم نصف دائرة فوق جدران القدس، أو حتى شبه نصف دائرة.

رسمتها بشق الأنفس والأنفس حولي يتصاعد شخيرها وأعلنت استسلامها لوحش الليل. أيقظت أمي لتساعدني في وجود قلم أصفر أزين به عروسي القدس وتاجها المذهب.. لم تكترث عندما طلبت لون قلم أصفر، بدأت أبكي كرضيع اختطف النوم صوت أمه، وقلت في تودد لعلها تسمعني:

أمي إنها القدس يا أمي كيف أتركها بدون تاجها الذهبي؟! كيف يمكن أن أدخلها حفل الفرح غدا بشعر مسدول لا يحمل تاجاً؟ أترضى العرب يا أماه؟!

قامت أمي شبه مستيقظة تبحث في أقلام أختي الكبرى، وتفتش عن قلم أصفر، لم تغب طويلا حتى أحضرت جزء قلم أصفر مُزج رأسه بسواد قلم أختي غليظ الرأس. أخذت ألون قبتي الصفراء وتاج عروسي العربية، وكلي فرح وسعادة، أنهيتها وبدأت أحقق نظري فيها وأخاطبها:

ليس هناك أجمل منك يا حبيبتي أنت فخري غدا وفخر الحفل، هكذا تحدثوا عنك وحزنوا وأنا جسدتك على ورقتي وزينتك لموعد العرس، سينادون باسمي لأني شرفتك، وأعرف أنه لم يكن قبلي أحد فكر فيك.

وضعتها داخل محفظتي بعناية، ووضعت المحفظة بجانبي لأحرصها من يدي العدو، لم أنم بعدها وقضيت ساعات الليل أتوج نفسي قبل أن ينادوا باسمي بين التلاميذ، سينظر إلي كل تلاميذ المدارس وأنا احصد جائزة ملففة بقماش بلاستيكي مزين، سيصفق معلمي تشجيعاً لي، ويحوم حولي التلاميذ ليعرفوا ماذا داخل الجائزة، وأنا أزيدهم شوقاً بامتناعي وترددي في نزع القماش الملون، ستكون نرمين حاضرةً طبعاً بهدوئها ووجهها المشرق، ستقترب كالفتيات لتنظر للهدية ولكنها تترك مسافة أكثر منهن، المسافة هي التي جعلتني أحبها ولن أفتح الهدية ما لم تنظر إلي، المسافة من تركتني أغامر للمشاركة، نرمين وحدها تجعلني شجاعا حتى في رسم القدس.

ظللت اليوم كاملاً أفكر متى تعرض عروسي شامخة بعروبتها معتزة بأحفادها، وحين وصول العرض دخلت كل المجموعات المسرحية والإنشادية، وأنا لا أسمع إلا نشوة نفسي ومقدسي وصوت نرمين، وتمنيت أن أسرع الزمن للحظة التتويج. بعد لحظات دخل الرجل نفسه الذي زارنا في حجرة الفصل، لكنه اليوم ببدلة رسمية أنيقة وقماش ملفوف على عنقه وكأنه كان مربوطاً في جدع شجرة، أعلن عن نهاية العروض المسرحية فقفز بي إعلانه من أسفل الأرض الى أعلى السماوات داخل نفسي، وفرحت كثيراً وبدا علي النشاط والمرح.

قال مبتسماً: أبنائي التلاميذ والتلميذات سنمر هذه اللحظة إلى الإعلان عن الفائز في مسابقة الرسم.

صفق الجميع إلا أنا، فكل أشكال البهجة والسرور فعلتها آنذاك حتى أني وددت لو قفزت للخشبة معلنا عن فوزي، نبس الرجل ببنت شفة قبل أن تلتصق شفتاه ب(الميكروفون)، لا شك كانت البسملة ثم قال:

لقد كانت المنافسة بين ثلاث رسومات، لحظتها تبادر إلي ذهول وعجب واستغراب وسألت نفسي:

أهناك حقاً من ينافس عروسي بتاجها الذهبي، أهناك من يطأ حرمة وجهها أو ينظر غير مبال بتاجها الذهبي؟ إنها بيت المقدس؟!!

وإذا به يشد النظر إليه برفع الرسمة تلو الأخرى، ليرى الجميع ثلاث لوحات تنافست، لم تكن بينهم عروسي أو كانت الثالثة لا أذكر ولكني أتذكر ذلك الشعور جيداً حين اجتررت كل ذيول الخيبة إلى بيتي بوجه حزين ونفس محطمة، دمعتان بارقتان على خذ شاحب، أمشي بخطى ثقيلة كعجوز تكسرت عصاه التي يتكئ عليها.

دخلت على غير عادتي إلى البيت، لم تجد أمي مني ما عهدتْ من مرح وجري نحو التلفاز، لم ألق محفظتي خلف الباب، لتحملها هي لعلي آخذ العبرة بالفعل لا بالقول، لم أشعر بخفة ركبتي على الدرج، ولا أنا سمعت أغنية فلم الكارتون عند الجيران. لقد جلست أمامي وكل ألوان الحزن غطت وجهي بل هدت جسمي، سألتني: “ما بك بني أتشاجرت مع أحد في الحفل؟”، لم أرد بكلمة لأنها تعرف أن بمثل سني في هذه الحالة لا يمكن أن تكون حالته حالة شجار، ما دمت لم آت هارباً، أو متودداً مخافة شكوى ولي المضروب أو متسخ الثياب ممرغ القدمين.

قالت محاولة إجلاء حزني ” أتدري لم أستطع النوم أمس دون أن أعثر لك على قلم أصفر”.

فقلت وأنا لم أحرك ساكنا من وضعيتي: “يا ليتك لم تعثري عليه أماه، فقد أهينت عروسي ورأسها يعلوه تاج الأميرات، أرأيت يوماً عروساً تعان من ذويها وأهلها ليلة عرسها؟ هذا ما فعلوه اليوم يا أماه”، وقفت وقفة جندي خائب فقلت: “القدس ضاعت من يدي أماه”.

لم تسألني من أخذها، لكني أجبتها: باعها إخوانها وبئس الإخوان هم، وقد جاء الرجل المغتصب قدمها لابنه عربون خيانة العرب، فهتك عرضها على سرير عربي، وطقوس غربية، لقد أعلنوا سقوطها أمام الجميع ولكني غير يائس أماه، أتعلمين لما؟ لأن الفائز قطرة ماء لصديقي وقطرة من ماء تبني ألف بيت وتغرق ألف مغتصب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مواليد 1992 مدينة أرفود/ المغرب، أستاذ اللغة العربية في الأكاديمية الجهوية فاس – مكناس.