مجلة أدبية ثقافية فصلية تصدر باللغتين العربية والكردية في شمال وشرق سوريا

شوك وأزهار – عبد الحميد دشو

 

عبد الحميد دشو

 

حين هممت بوضع ما بيدي على الأرض والعودة إلى الخلف، فاجأتني ضربة شديدة على القفا الأيسر من رأسي، فقفزت في الهواء ثمّ شهقت شهقة قوية، وتسرّبت إلى أنفي ورئتيّ رائحة بارود حادة، وخلال أجزاء من الثانية وقبل أن أفقد الوعي، تبادر إلى ذهني بأنّ قناصاً لعيناً استهدفني من الخلف، لكنّه لم يتمكّن مني تماماً، بعدها احتجبت الشّمس عن ناظري، وفقدت الإحساس بأي شعور، إلى أن استفقت على صوت ابنتي حنان، وهي تبكي بألم مكتوم وتنادي:
– بابا… حبيبي بابا، انهض يا بابا، لا تموت يا بابا… خلينا نرجع على مسكنة يا بابا… ما بدنا نروح… بدنا نرجع يا بابا!
كنت أسمع أنينها ومناجاتها وأنا مستلق على الأرض، لكن لم أتمكّن من الردّ عليها، ولا حتّى من فتح عينيّ، وبعد هنيهة سمعت صوت زوجتي الكبيرة تناديني، وقد وضعت يدها على صدري وصارت تهزني وتقول:
– أسعد… أسعد ؟!
لم أستطع الردّ عليها رغم سماعي لصوتها بشكل واضح، إذ كنت بالكاد أتنفّس، حاولت التحدث إليها، لكن لم يصدر عني سوى حشرجات مبهمة، سمعت أصوات قدمها تبتعد، ثمّ سمعتها تخاطب حمّودة قائلة:
– حمودي!؟، الحمد لله على سلامتك ابني يا قلبي، حمّودي بخير يا جماعة، ولا يزال نائماً؟
كان ضغط الهواء قد قذفه من بين يديّ عدّة أمتار…. شعرت بارتياح عميق وأنا أتوسّد التراب وأستمع إلى كلام أمّه، لقد نجاه الله بمعجزة… اقتربت أمّه مني ثانية، وأخذت تناديني:
– أسعد… أسعد، هل أنت بخير؟!
ثمّ صاحت:
– يا جماعة، أسعد لا يردّ عليّ…
بينما لازالت ابنتي حنان تبكي فوق صدري، فتحاملت على نفسي، ووضعتُ يدي بهدوء على رأسها، وأخذتُ أداعب شعرها، واستجمعت كلّ قوتي لأكلّمها حتّى تطمئن، فخاطبتها بصوت شبه مخنوق:
– حنونة… لا تخافي، بابا عايش، لم يُصب بشيء، أنا بخير كما ترين.
عندها سكنت الطفلة وارتمت على قدميّ، وتساءلت أمّ عامر:
– اجلس أرجوك… هل أنت بخير؟ هل أساعدك على الجلوس.
أجبتها بصعوبة:
– بخير، بخير الحمد لله، لا تخافوا…
بدأت أستفيق من صدمتي، وفتحت عينيّ، وبدت لي الحقول المصفرّة ممتدة على مدّ النظر، وأنا مستلق على جنبي الأيمن، تفوح حولي رائحة التراب الرطب، وكان ثمّة خيوط لزجة وحارة تسيل من أذني ورأسي نحو ثوبي، تحسّست رأسي براحة كفي، وإذ الدّم قد صبغ كلّ أصابعي وثوبي من أعلى صدري حتى أسفل بطني، وطعم الموت لازال بفمي، وكان صوت عامر ينبعث حاداً من مكان ما وهو يستغيث:
– اخرجوني، انقذوني، أين أنتم؟
كان عالقاً في كومة وحل وسط الساقية، جاءت أخته بسرعة، اطمأنت عليّ أولاً، ثمّ ذهبت وساعدته على الخروج من الساقية، وقد فقد حذاءه فيها…، تجمهر الجميع حولي، وأحاطوا بي من كلّ جانب…استويت جالساً بمساعدتهم، وقال لي صاحبي أبو أديب:
– الحمد لله على سلامتك، إن شاء الله سليمة؟
في الحقيقة لم أدرك ماذا جرى معي بالضبط إلا حين أشار صاحبي إلى حفرة بمحاذاتي تماماً، قطرها نصف متر، وأردف قائلاً:
– الله حماك يا بن أختي، انظر إلى هذه الحفرة! لقد انفجر بك لغم أرضي، نجاتك منه معجزة حقاً… أمك أكيد راضية عليك، ورفع بصره إلى السماء وقال: الحمد والشكر لك يا رب.
بالفعل كانت حفرة كبيرة تتسع لرجل داخلها، وقد انفجر اللغم بمحاذاة قدمي اليسرى، وأضاف الرجل:
– كيف تشعر بنفسك الآن؟ هل تستطيع المشي؟
هززت له رأسي، وابتسمت للجميع الذين كانوا يحيطون بي، لأرفع من معنوياتهم، كنت أدرك أنّهم بحاجة لذلك، لأنّ معنويات الجميع كانت محطمة في تلك اللحظات، فالطريق لازال طويلاً، ومزروعاً بالألغام من مخلفات المتطرفين، ولازلنا عرضة لنيران قناصاتهم، هذا إذا لم يكن المهرّب قد خدعنا أو تهنا في الطريق….
لم يكن أمامنا سوى متابعة المسير… جلسنا في مكاننا نحو نصف ساعة ونحن نتبادل الآراء حول الطريق الأسلم الذي سنسلكه، إذ أنه من المستحيل مواصلة المسير في الطريق نفسه، وكانت بعض الألغام المزروعة واضحة للعيان، وقد تمّ زرعها منذ مدّة قصيرة على ما يبدو… أخيراً حسم أبو أديب قراره وقال:
– أنت أكلت نصيبك يا ابن أختي، صار دوري الآن…. أنا سأسير في أول الرتل، وسنسلك الأراضي الزراعية من هذه الجهة، وعليكم أن تسيروا على خطاي، توكلوا على الله.
عاودنا المسير بخطا ثقيلة وسط حقول القمح، بعد أن غيرنا الاتجاه من اليمين إلى خط مستقيم باتجاه الشمال مباشرة، وكان لايزال طنين حاد يرنّ في أذني. اعترضتنا ساقية أخرى، لكنها عريضة موحلة، غير اسمنتية، خاض أبو أديب بالماء إلى الجهة الأخرى، وتوقفت أنا في وسطها، وأخذت بنقل الأطفال ومساعدة النساء للوصول إلى الجهة المقابلة، وصاحبي يتلقفهم مني… ولدى خروجي من الساقية، فقدت إحدى فردتي حذائي في الوحل. واستأنفنا المسير، وكان ابني عامر يمشي حافياً بدوره منذ أن فقد حذاءه في الساقية.
وصلنا عند الظهر إلى أطراف قرية أم التنك التي سمعنا بتحريرها منذ بضعة أيام، وهي القرية التي أشار لها المهرّب في البداية، وأخذنا نجول بأنظارنا إليها يميناً وشمالاً، لعلنا نجد علماً أو حاجزاً أو شخصاً ما لنتأكد من حقيقة الموقف، لكننا لم نعثر على أي شيء، رأينا سيارة فان على الطريق العام الذي يبعد عنا نحو خمسمائة متر من جهة الغرب، وكان مزفتاً، ويربط بين الرشيد وكُبش مروراُ بأم التنك، فشعرنا بالرعب لأول وهلة، وخطر لنا خاطر غريب، أليس من الممكن أن تكون للمتطرفين؟ جلسنا في أماكننا بحذر، وشرعنا نراقبها بعيون خائفة، وأخذت زوجة أبو أديب الصغيرة تردّد:
– يا جماعة، هذه المنطقة تحت سيطرة المتطرفين، يا ويلنا منهم إن أمسكوا بنا!
وأخذت تحلف بذلك، ممّا فاقم خوفنا، وقيّد حركتنا…
السيارة كانت قادمة من الرشيد ومتجهة نحو أم التنك، ثمّ عادت أدراجها بهدوء حتّى اختفت عن أنظارنا، فواصلنا المسير، والشكوك تحوم في نفوسنا بشأن وضع القرية، هل هي مُحرّرة أم مازالت بيد المتطرفين؟ ومهما يكن من أمر ما يقال، فلست ممّن يقرّون الاقتناع بشيء على غير أساس مكين.
وصلنا أول القرية، وجلسنا تحت شجيرات الزيتون، خاطبني أبو أديب:
– أنا سأذهب لأستطلع القرية، لعلّي أجد شخصاً ما وأفهم منه شيئاً، ظلّوا في أماكنكم، لا تتحركوا.
سألته إن كان يرغب في مرافقتي له، فأجاب بالنفي قائلاً:
– أنت متعب، والإرهاق باد عليك، ابق مع العوائل أفضل.
امتثلت لأمره، وذهب لوحده… وبعد وقت قصيرة عاد ليقول:
– والله يا صاحبي لم أجد في القرية أحداً سوى الدجاج والكلاب.
وأضاف:
– انهضوا لنتابع المسير، مشينا مسافة أخرى، ثمّ عاودنا الجلوس لنرتاح قليلاً، واختارنا ظل أحد البيوت المبنية من اللّبن، وإذ بصوت الرصاص يلعلع من حولنا، رفعت زوجة أبو أديب الكبيرة شماخاً أبيضاً كنت أرتديه قبل الانفجار، عندها توقف صوت الرصاص، ونهضنا لنعاود المسير، وإذ بنا نلمح قناصاً في مكان مرتفع ومغطى أكثره، وأخذ يشير بيده أن تقدموا ولا تخافوا… كانت حركاته توحي بالودّ، تقدمنا نحوه، فأشار بيده أن تابعوا إلى جهة الشمال، وبعد قليل لاح لنا حاجز عسكري، فيه عدد من العناصر، حليقي الذقون، يرتدون بزات عسكرية مموهة، وبيدهم قبضات، ويرفرف فوقهم علم مثلث أصفر، وكانوا يراقبوننا باستمرار… أدركنا أنهم القوات الديمقراطية، وقبل وصولنا إليهم مباشرة، أشار أحدهم أن توقفوا وضعوا أغراضكم، ثمّ تقدّم نحونا، وقال لنا:
– الحمد لله على سلامتكم، هل لديكم شيء ممنوع؟
أجبناه بثقة وبصوت واحد:
– لا أبداً .. وهذه الأغراض، فتشها إن شئت.
تلمّس الأكياس والحقائب بشكل سريع، ثم قال:
– لا حاجة لذلك، تفضلوا، استريحوا… أنتم في الأمان إن شاء الله.
استقبلنا بقية العناصر بالترحاب والبشاشة، وقدّموا لنا الماء، فغمرتنا فرحة لا توصف، وأدركنا أنّ قوة الحياة المشعة أقوى من كلّ ظلمات الطغاة… ومهما استطالت الأشواك يوماً، فإنها لن تجاري الورود في عظمتها أبد الدهر…

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أديب وباحث سوري، مواليد ريف جرابلس ١٩٧٩م، نشأ ودرس في مدينة منبج حتى نال أهلية التعليم الأساسي، عمل في المجال التربوي معلماً ومديراً أكثر من ٢٠ عاماً، عضو اتحاد المثقفين في منبج وريفها، حصل على الجائزة الأولى في مسابقة البحتري الثانية للقصة القصيرة عام ٢٠٢١ بمنبج، من مؤلفاته: القارة السمراء، القارة الأمريكية، أزهر الحب «قصص»، معجم الأدباء العرب، معجم كبار القراء.